أزمة الإمدادات تعطل التصعيد.. تأجيل ضرب محطات الطاقة الإيرانية
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد مهلة استهداف محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل/نيسان، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز ظاهرها التكتيكي لتلامس عمق حسابات الحرب والسياسة والاقتصاد العالمي، وسط مخاوف من اضطرابات أشد في امدادات الطاقة وقفزة في أسعار النفط والغاز وضغوط داخلية في الولايات المتحدة.
وبحسب ما نشره ترامب، جاء القرار “بناء على طلب الحكومة الإيرانية”، مع تأكيده أن المحادثات الجارية “تسير على نحو جيد للغاية”. وبين سطور هذا الإعلان، يبرز تناقض لافت: تهديد قائم بالتدمير يقابله مسار تفاوضي مفتوح، وكأن واشنطن تمسك بعصا الضغط وجزرة التهدئة في آن واحد، محاولة إعادة تشكيل قواعد الاشتباك دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتمديد المهلة لعشرة أيام لا يبدو مجرد استجابة تقنية لطلب تفاوضي، بل يمكن قراءته كنافذة اختبار للنوايا الإيرانية، وفرصة لالتقاط الأنفاس في سوق طاقة يترنح تحت وطأة الاضطرابات، فالبيت الأبيض يدرك أن أي ضربة مباشرة لمنشآت الطاقة الإيرانية قد تشعل موجة صدمات متتالية في الإمدادات العالمية، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز في العالم.
وتدرك الولايات المتحدة أن استهداف منشآت الطاقة في إيران قد تقابله الأخيرة برد هستيري يشمل استهداف منشآت الطاقة في الخليج وناقلات النفط في الممرات المائية الحيوية في المنطقة. كما يمكن أن يدفع وكلاء طهران لانخراط أكبر في الحرب خاصة جماعة الحوثي اليمنية التي لم تنجر بعد للصراع في انتظار أوامر من الحرس الثوري الإيراني.
وتحتفظ إيران على ما يبدو بورقة الحوثيين للوقت المناسب وهي تدرك أيضا أن واشنطن لم تهمل من حساباتها رد فعل الحوثي في حال تصعيد أكبر قد يشمل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، بينما سيكون ذلك أيضا استهدافا اقتصاديا مدمرا لقوى عظمى مثل الصين ودول آسيوية أخرى تعتبر من أكبر مستوردي النفط الإيراني.
وتبدو الخطوة الأميركية أشبه بعملية “إعادة ضبط” دقيقة، تسعى من خلالها واشنطن إلى الحفاظ على أقصى درجات الضغط دون تفجير الموقف. إنها لعبة توقيت بامتياز، حيث تُستخدم الأيام العشرة كمساحة للمساومة، وربما كفرصة لتجنب سيناريو الأسوأ.
وبالتوازي مع القرار السياسي، تواصل الإدارة الأميركية الترويج لقدرتها على قيادة سوق الطاقة العالمية، مستندة إلى مستويات الإنتاج القياسية من النفط والغاز، غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، كشفته بوضوح تحذيرات مسؤولين تنفيذيين ودوليين خلال مؤتمر ‘سيراويك’ في هيوستن.
فبينما يؤكد المسؤولون الأميركيون أن ارتفاع الأسعار “مؤقت” ويمكن للمستهلكين تحمله، تشير المؤشرات العالمية إلى عكس ذلك، فقد تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، وبدأت تداعيات النقص تظهر بوضوح في آسيا، حيث لجأت بعض الدول إلى إجراءات طارئة مثل العمل عن بعد وتقنين الاستهلاك. أما أوروبا، فتستعد لاستقبال موجة نقص محتملة في الأسابيع المقبلة.
وهذا التباين يعكس فجوة بين رؤية واشنطن، التي تركز على متانة الداخل الأميركي، وبين واقع دولي أكثر هشاشة يعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط.
ولم تبق الاضطرابات الحالية حبيسة أسواق الطاقة، بل امتدت إلى شرايين الاقتصاد العالمي، فقد أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ودفع نحو تباطؤ النمو في عدة مناطق.
كما أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، سواء في إيران أو في دول أخرى متأثرة بالصراع، تعني أن تداعيات الأزمة قد تستمر لأشهر، وربما لسنوات، حيث تشير تقديرات شركات الاستشارات إلى مليارات الدولارات اللازمة لإعادة الإعمار، فضلاً عن الوقت الطويل المطلوب لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة.
ويأتي قرار ترامب بتمديد المهلة في لحظة سياسية حساسة لمعسكره، فقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً في شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ بداية ولايته الثانية، مدفوعة بقلق الأميركيين من ارتفاع الأسعار وتداعيات الحرب.
وتدرك الإدارة الأميركية الحالية أن أي تصعيد إضافي قد يفاقم الضغوط الاقتصادية على المواطنين، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وهي انتخابات تعتبر حاسمة وباروميتر لانتخابات الرئاسة أيضا، لذلك يمكن النظر إلى التمديد أيضاً كخطوة لاحتواء الغضب الداخلي، عبر تأجيل صدمة محتملة في أسعار الطاقة.
ويكشف قرار ترامب عن محاولة دقيقة للموازنة بين مسارين متناقضين: التصعيد العسكري من جهة، والانفتاح التفاوضي من جهة أخرى، فتمديد المهلة ليس مجرد تأجيل لضربة، بل هو رسالة مركبة، موجهة إلى طهران والأسواق والحلفاء والناخب الأميركي في آن واحد.
غير أن هذه الموازنة تظل هشة، إذ يكفي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب ليحوّل “الهدنة المؤقتة” إلى شرارة أزمة أوسع. وفي عالم تتقاطع فيه خطوط الطاقة مع خرائط السياسة، يبدو أن الأيام العشرة المقبلة لن تكون مجرد مهلة زمنية، بل اختبارا حقيقيا لقدرة الأطراف على تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، قد تعيد رسم ملامح النظام العالمي بأسره.
