لم تعد الحرب في غزة تُقرأ داخل الولايات المتحدة باعتبارها مواجهة محلية محصورة بين حماس وIsrael فقط، بل تحولت إلى حدث أعاد فتح ملفات أوسع تتعلق ببنية الحركات الإسلامية العابرة للحدود، والعلاقة المعقدة بين التنظيمات المسلحة وشبكات الإسلام السياسي الدولية. وفي قلب هذا النقاش عاد اسم جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة الأمريكية بقوة غير مسبوقة منذ سنوات، خصوصًا مع تصاعد الحديث داخل المؤسسات الأمنية ومراكز الأبحاث عن الروابط الفكرية والتنظيمية والمالية التي تربط حماس بالبنية التاريخية للجماعة.
هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل سياسي على تطورات الحرب، بل جاء نتيجة تراكم طويل داخل واشنطن، حيث بدأت دوائر أمريكية تنظر إلى الحركات الإسلامية المسلحة باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تتداخل فيها الأيديولوجيا والتمويل والإعلام والتعبئة العابرة للحدود. ومع تصاعد التوترات الإقليمية بعد السابع من أكتوبر، اتسعت داخل الولايات المتحدة الدعوات لإعادة تقييم العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المرتبطة بالعنف المسلح في الشرق الأوسط.
وترى دوائر أمريكية أن الحرب الأخيرة كشفت حجم التشابك بين البعد العسكري والبعد الإعلامي والسياسي داخل الحركات الإسلامية المعاصرة. فالمواجهة لم تعد تدور فقط في الميدان العسكري، بل أيضًا في الفضاء الرقمي، وشبكات التمويل، والمنصات الإعلامية العابرة للحدود، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا داخل الغرب منذ سنوات: هل يمكن الفصل بالكامل بين الإسلام السياسي والحركات الجهادية المسلحة؟
تاريخيًا، تُعد حركة حماس الامتداد الفلسطيني الأبرز لجماعة الإخوان المسلمين. فمنذ تأسيسها في أواخر الثمانينيات، قدمت الحركة نفسها باعتبارها جزءًا من المشروع الإسلامي الحركي الذي تتبناه الجماعة، حتى وإن تطورت لاحقًا ضمن سياقات فلسطينية وإقليمية أكثر تعقيدًا. وقد سمح هذا الارتباط لحماس بالاستفادة من شبكات واسعة من الدعم السياسي والإعلامي والمالي امتدت عبر الشرق الأوسط وخارجه.
وخلال العقود الماضية، تعاملت الولايات المتحدة مع حماس باعتبارها منظمة إرهابية، لكنها في الوقت نفسه حافظت على تمييز سياسي وقانوني بين الحركة وبين جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم عالمي. غير أن التطورات الأخيرة دفعت تيارات متشددة داخل واشنطن إلى المطالبة بإعادة النظر في هذا الفصل، معتبرة أن العلاقة الفكرية والتنظيمية بين الطرفين تجعل من الصعب التعامل مع حماس كحالة منفصلة تمامًا عن بنية الإسلام السياسي الأوسع.
هذا الجدل تصاعد بصورة أكبر مع تنامي المخاوف الأمريكية من قدرة الحركات المرتبطة بالإسلام السياسي على استخدام الأزمات الإقليمية في توسيع نفوذها الإعلامي والسياسي عالميًا. فالمؤسسات الأمنية الأمريكية ترى أن الحرب في غزة لم تكن فقط مواجهة عسكرية، بل أيضًا معركة تعبئة رقمية ودعائية ضخمة استُخدمت فيها المنصات الإلكترونية بصورة غير مسبوقة للتأثير على الرأي العام العالمي.
وتعتقد دوائر غربية أن الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي نجحت خلال السنوات الأخيرة في تطوير أدوات متقدمة في مجال التأثير الإعلامي، بحيث أصبحت قادرة على تحويل الصراعات الإقليمية إلى حملات تعبئة عابرة للحدود، تجمع بين الخطاب الديني والسياسي والحقوقي في آن واحد. وهذا ما جعل واشنطن تنظر بقلق متزايد إلى الشبكات الإعلامية والمنصات الرقمية المرتبطة بالحركات الأيديولوجية العابرة للحدود.
في المقابل، يرى معارضو هذا التوجه داخل الولايات المتحدة أن الربط التلقائي بين جماعة الإخوان المسلمين وحماس يحمل تبسيطًا مخلًا للواقع السياسي المعقد في الشرق الأوسط، خصوصًا أن الجماعة تضم تيارات وفروعًا متعددة تختلف في طبيعتها وتحالفاتها من دولة إلى أخرى. كما يحذر هؤلاء من أن التوسع في مفهوم “الارتباط بالتطرف” قد يؤدي إلى خلط بين النشاط السياسي والعمل المسلح، بما يخلق إشكالات قانونية ودبلوماسية معقدة.
لكن التيار المتشدد داخل واشنطن يعتقد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في العمل العسكري المباشر، بل في الشبكات الفكرية والتنظيمية التي تمنح الحركات المسلحة القدرة على البقاء والتجدد. ومن هنا بدأ يتوسع الحديث داخل المؤسسات الأمريكية عن ضرورة مواجهة “المنظومات الداعمة للتطرف”، وليس فقط التنظيمات التي تنفذ العمليات المسلحة.
هذا التحول انعكس بوضوح في طبيعة المقاربة الأمريكية الجديدة تجاه التمويل والدعاية والتعبئة. فوزارة الخزانة الأمريكية كثفت خلال الأشهر الأخيرة عمليات تعقب التحويلات المالية المرتبطة بشبكات يُشتبه في دعمها لحركات متشددة، كما تصاعد التعاون الاستخباراتي مع دول أوروبية وعربية لمراقبة الجمعيات والمنصات التي يُعتقد أنها تشارك في حملات التعبئة أو التمويل السياسي المرتبط بالإسلام السياسي.
في الوقت ذاته، تحولت الحرب الإعلامية إلى محور أساسي داخل الاستراتيجية الأمريكية. فواشنطن تعتبر أن الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي استطاعت استغلال البيئة الرقمية العالمية لبناء سرديات سياسية وعاطفية قادرة على التأثير في قطاعات واسعة من الشباب، سواء في الشرق الأوسط أو داخل المجتمعات الغربية. ولهذا بدأت المؤسسات الأمريكية تستثمر بصورة أكبر في مراقبة النشاط الرقمي، وتعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا لرصد المحتوى المرتبط بالتطرف أو التعبئة الأيديولوجية.
كما أن الحرب في غزة أعادت تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين الحركات الإسلامية المسلحة وبعض القوى الإقليمية، خصوصًا Iran وشبكات الميليشيات المرتبطة بها في المنطقة. فبالرغم من الاختلافات العقائدية والسياسية، ترى دوائر أمريكية أن المصالح المشتركة بين بعض هذه الأطراف أدت إلى نشوء أشكال من التنسيق البراغماتي في ملفات متعددة، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا متزايدًا للاستقرار الإقليمي.
وتعتقد المؤسسات الأمنية الأمريكية أن هذا التشابك بين الحركات الأيديولوجية والميليشيات المسلحة والقوى الإقليمية يمثل نموذجًا جديدًا من التهديدات العابرة للحدود، حيث تختلط الحرب التقليدية بالحرب الإعلامية والتمويل والشبكات الرقمية. ولهذا بدأت الولايات المتحدة في تبني مقاربة أكثر شمولًا تقوم على استهداف البنية الكاملة للشبكات المرتبطة بالتطرف، بدل التركيز فقط على الجانب العسكري.
في أوروبا أيضًا، أعادت الحرب في غزة إحياء النقاش حول دور جماعات الإسلام السياسي داخل المجتمعات الغربية. ففي France وGermany وAustria تصاعدت المخاوف من تأثير الاستقطاب المرتبط بالحرب على تنامي الخطابات الراديكالية داخل بعض البيئات الشبابية والجامعية. وقد دفع ذلك عدة حكومات أوروبية إلى تشديد الرقابة على المنصات الإعلامية والجمعيات المرتبطة بخطابات متشددة أو تعبئة سياسية عابرة للحدود.
ومع ذلك، تحاول الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحفاظ على خطاب رسمي يؤكد التمييز بين الإسلام كدين وبين الحركات التي تستخدم الدين لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. فواشنطن تدرك أن أي خلط بين المسلمين والتنظيمات المتشددة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويمنح الجماعات الراديكالية فرصة لتغذية خطاب “استهداف الإسلام”.
لكن الواضح أن الحرب الأخيرة غيّرت الكثير من الحسابات داخل الغرب. فالنقاش لم يعد يدور فقط حول كيفية احتواء حماس عسكريًا، بل حول الطريقة التي تطورت بها شبكات الإسلام السياسي خلال العقود الماضية، وكيف أصبحت قادرة على الجمع بين التنظيم والعمل المسلح والإعلام والتأثير الرقمي ضمن منظومة عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يبدو أن ملف جماعة الإخوان المسلمين عاد إلى قلب النقاش الأمني الأمريكي ليس بوصفه قضية محلية تخص الشرق الأوسط فقط، بل باعتباره جزءًا من معركة عالمية أوسع تتعلق بمستقبل التطرف العابر للحدود، وطبيعة الشبكات الأيديولوجية التي تعيد تشكيل الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
