تحقيقات حول استخدام منصات رقمية في قضايا تمويل عبر دول مختلفة
في الوقت الذي كانت فيه طهران تحشد ترسانتها استعدادا لمواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة، نجح أحد أبرز الممولين النافذين للنظام الإيراني في تشييد شبكة دفع سرية عابرة للحدود لتأمين التدفقات المالية لآلة بلاده العسكرية تمر عبر تطبيق ربما يكون بالفعل على هاتفك.
ووفق تحقيق استقصائي موسع نشرته صحيفة “وال ستريت جورنال” (The Wall Street Journal)، فان منصة “بينانس” (Binance) — أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم — تمدّدت لتصبح “الشريان المالي الحرج” لعمليات الحرس الثوري الإيراني، رغم مؤشرات تحذيرية داخلية جرى تجاهلها لشهور.
وتُظهر تقارير الامتثال الداخلي لبينانس، وبيانات البلوكشين، وإفادات مسؤولي إنفاذ القانون الدوليين المتخصصين في تتبع تمويل منظمات تصنفها وانشنطن على انها “إرهابية”، أن مليارات الدولارات تدفقت عبر المنصة لصالح شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني خلال العامين اللذين سبقا اندلاع الحرب الراهنة بين واشنطن وطهران.
والأخطر من ذلك، وفقاً للمسؤولين، أن هذا التدفق لم يتوقف، حيث رُصدت تحويلات نشطة تمر عبر “بينانس” إلى كيانات إيرانية حتى شهر مايو/أيار الجاري (2026).
إمبراطورية زنجاني السرية على البلوكشين

في قلب هذا الاختراق المالي، يبرز اسم باباك زنجاني، الممول الإيراني الشهير الذي يصف نفسه علانية بأنه مشغل عمليات “مناهض للعقوبات”.
وتكشف الوثائق الداخلية لـ”بينانس” أن شبكة زنجاني أدارت معاملات ضخمة بلغت قيمتها 850 مليون دولار على مدار عامين (حتى ديسمبر/كانون الأول الماضي)، تمت غالبيتها الساحقة عبر حساب تداول رئيسي واحد.
ولم يكن زنجاني يتحرك بمفرده؛ إذ تتبع محققو الامتثال في المنصة حسابات إضافية مترابطة يديرها حلفاؤه المقربون، بمن فيهم شقيقته، وشريكته العاطفية، ومدير تنفيذي في شركته.
وأشارت التقارير الداخلية إلى أن جميع هذه الحسابات كان يتم الولوج إليها من نفس الأجهزة، وهو نمط سلوكي صارخ ورصده المحققون كدليل قاطع على عملية تهرب منظمة من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
ومع ذلك، وبحسب تقارير الصحيفة، استمر الحساب الرئيسي في العمل لمدة 15 شهراً على الأقل بعد رصد المخالفات، وظل مفتوحاً حتى يناير/كانون الثاني الماضي، في تفاصيل لم تُكشف سابقا.
ويُقدر خبراء ومسؤولون مطلعون أن طبيعة حركة هذه الحسابات (إيداعا وسحبا) تعني أن نحو 425 مليون دولار قد ضُخت بالفعل عبر “بينانس” لتمويل الجيش الإيراني، فيما خلص محققو المنصة أنفسهم داخليا إلى أن هذه الشبكة تمثل واجهة لغسيل الأموال لصالح النظام.
قنوات موازية: من البنك المركزي إلى شبكات الوكلاء
لا تتوقف الأرقام عند شبكة زنجاني؛ إذ كشف تحقيق “وال ستريت جورنال” عن قنوات مالية إيرانية ضخمة أخرى عبر المنصة:
البنك المركزي الإيراني: نفذ سلسلة معاملات معقدة لنقل 107 ملايين دولار من العملات المشفرة إلى حسابات داخل “بينانس” العام الماضي.
المعاملات المباشرة لتمويل الإرهاب: رصدت وكالة إنفاذ قانون أجنبية معاملات مباشرة بقيمة 260 مليون دولار خلال عامي 2024 و2025، تنقلت بين حسابات “بينانس” ومحافظ رقمية مملوكة لممولين مصنفين إرهابيين وكيانات إيرانية خاضعة للعقوبات.
الشبكة الحكومية الغامضة: رصد محققو المنصة محفظة رقمية خارجية مجهولة الهوية، تلقت أموالاً عبر البورصة، وقامت بضخ 218 مليون دولار مباشرة إلى شبكة تمويل تابعة للحكومة الإيرانية في عام 2023.
وتأتي هذه المعطيات لتضاف إلى 1.7 مليار دولار أخرى كانت صحيفة “وال ستريت جورنال” قد كشفت عنها في فبراير/شباط الماضي، مشيرة إلى أن محققي “بينانس” خلصوا إلى انتقالها عبر المنصة إلى الشبكة الإيرانية ذاتها باستخدام تقنيات تمويه معقدة. وحينها، تسبب هذا الملف في أزمة داخلية بالشركة، حيث جرى إقصاء العديد من محققي الامتثال الذين أثاروا مخاوف بشأن حسابات مرتبطة بشريك تجاري لـ”بينانس” نقلت وحدها 1.2 مليار دولار في عامي 2024 و2025.
وفي المقابل، رفعت “بينانس” دعوى قضائية ضد الصحيفة نافية طرد المحققين لأسباب تتعلق بالامتثال، مؤكدة أن مغادرتهم تمت بناءً على “ظروف فردية”، ومشددة على عدم تسامحها مع الأنشطة الخاضعة للعقوبات، فيما تمسكت الصحيفة بصحة تقاريرها الاستقصائية.
غسيل أموال النفط وتحدي العقوبات الأميركية
ترتبط هذه التدفقات النقدية الضخمة عبر “بينانس” بشكل وثيق بـ”تجارة كسر العقوبات” التي يديرها الحرس الثوري الإيراني؛ إذ تتطابق هذه الأموال المشفرة إلى حد كبير مع المدفوعات المتأتية من مشتري النفط الإيراني في الصين، والتي تمثل شريان الحياة الاقتصادي لطهران، والتمويل الأساسي لشبكة وكلائها الإقليميين مثل حماس، وحزب الله، والمتمردين الحوثيين في اليمن.
والمثير للدهشة أن هذا النشاط المحموم استمر وتزايد حتى بعد أواخر عام 2023، عندما اعترفت “بينانس” بالذنب أمام القضاء الفيدرالي الأميركي بانتهاك قوانين مكافحة غسيل الأموال والعقوبات، ووافقت على دفع غرامة تاريخية بلغت 4.3 مليار دولار.
واشنطن تضغط بـ”الغضب الاقتصادي”
يأتي الكشف عن هذه الحسابات لينبش في ملفات ساخنة تؤرق الإدارة الأميركية؛ إذ تجري وزارة العدل حاليا تحقيقا موسعا حول مدى استغلال إيران لمنصة “بينانس” للتهرب من العقوبات عقب اتفاق الإقرار بالذنب في 2023.
وفي مارس/آذار الماضي، التقى مسؤولو وزارة الخزانة الأميركية بمديرين تنفيذيين في “بينانس” للإعراب عن قلق واشنطن البالغ بشأن مدى التزام الشركة باتفاقية المراقبة القضائية المفروضة عليها، لاسيما في الملف الإيراني.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع إطلاق إدارة ترامب حملة مشددة تحت اسم “الغضب الاقتصادي” (Economic Fury) لشل المفاصل المالية لطهران، والتي أسفرت مؤخراً (في نيسان/أبريل) عن تجميد 344 مليون دولار من الأصول المشفرة الإيرانية في محافظ رقمية مختلفة، مع تحذير الخزانة للمؤسسات المالية العالمية من “عواقب وخيمة” إن هي سهلت معاملات طهران.
وكانت واشنطن قد أعادت إدراج زنجاني وشركة عملات مشفرة يسيطر عليها على القائمة السوداء في يناير/كانون الثاني الماضي بتهمة ضخ أموال للحرس الثوري، دون ذكر “بينانس” علنا.
وعلق زنجاني حينها عبر وسائل التواصل الاجتماعي معتبرا العقوبات شهادة على “فعالية أنشطته الاقتصادية”، بينما نفى متحدث باسمه للصحيفة استخدامه لأي بورصة تشفير لغسيل الأموال.
“بينانس” ترد: “امتثال هو الأفضل في فئته”
في ردها على هذه الاتهامات الموثقة، وصفت منصة “بينانس” المعلومات بالـ “غير دقيقة”، ورفضت الإجابة عن أسئلة تفصيلية حول حجم المبالغ أو الحسابات المذكورة، معتبرة أن الغالبية العظمى من المعاملات المذكورة “لا علاقة لها بمنصتها” وأن التدفقات، إن وجدت، فهي غير مباشرة وتمت مع جهات غير خاضعة للعقوبات في ذلك الوقت.
وقال متحدث باسم المنصة: “بينانس تتبع سياسة عدم التسامح مطلقا مع الأنشطة غير المشروعة. منذ عام 2024، قمنا بتحويل وبناء برنامج امتثال هو الأفضل في فئته”، مؤكدا أن التعامل مع الكيانات الخاضعة للعقوبات والمناطق عالية المخاطر انخفض لديهم إلى مستويات تقترب من الصفر، وأنهم يعملون بشكل وثيق مع جهات إنفاذ القانون دولياً لمكافحة الجريمة المالية.
بينما تضيق العقوبات التقليدية الخناق على الاقتصاد الإيراني، باتت العملات المشفرة الملاذ المفضّل للنظام والمدنيين على حد سواء؛ حيث تُقدّر شركة “TRM Labs” لبيانات البلوكشين أن الإيرانيين أجروا معاملات مشفرة تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار العام الماضي وحده.
ومع اشتداد حدة المواجهة العسكرية هذا الربيع، ذهبت السلطات الإيرانية إلى أبعد من ذلك، وبدأت في فرض “رسوم مرور” (ضرائب) على ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز الاستراتيجي، مشترطة دفعها إما بالعملات المشفرة أو باليوان الصيني.
ويظل استخدام حسابات بورصات دولية مثل “بينانس” الخيار الأمثل للمدخرين والممولين الإيرانيين لتحويل العملات الأجنبية وتسييلها عبر شركات وساطة محلية في طهران، في بيئة رقمية تمنحهم القدرة العالية على تمويه التدفقات غير القانونية وإخفاء هويات المستفيدين النهائيين.
