حصري

اقتصاد الحرب وسلطة بورتسودان: المجهود الحربي يلتهم رواتب المعلمين ويسرع الانهيار



تعيش البلاد في الوقت الراهن حالة من السيولة الاقتصادية التي تقترب بسرعة من سيناريو الانهيار الشامل، وتأتي أزمة إضراب المعلمين المتصاعدة في الخرطوم وكسلا وولايات الجزيرة والشمالية كمرآة عاكسة لإفلاس تام في السياسات المالية والنفدية. إن تشخيص الأزمة بوضوح يضعنا أمام حقيقة مؤلمة: سلطة بورتسودان اختارت طواعية توجيه كافة موارد الدولة القومية والسيادية لدعم “المجهود الحربي” والعمليات العسكرية الفاشلة، معتمدة سياسة تهميش كامل وتجويع مقصود للقطاعات المدنية والخدمية الحيوية، وعلى رأسها قطاع التعليم.
الأرقام لا تكذب: ميزانية الصفر للتعليم

عند النظر إلى التدفقات المالية لسلطة بورتسودان، يتضح الخلل الهيكلي الفاضح؛ حيث تذهب أكثر من 80% من الإيرادات العامة، بما فيها عائدات الموانئ والذهب والضرائب الباهظة المفروضة على المواطنين، لتمويل صفقات التسلح، والنفقات اللوجستية للجيش، وامتيازات القيادات العسكرية والأمنية. في المقابل، تُركت وزارة التربية والتعليم بميزانية صفرية تقريباً، وعجزت السلطة عن الوفاء بأبسط التزاماتها المتمثلة في دفع الرواتب الشهرية الأساسية في مواعيدها. تأخر المستحقات المالية لمعلمي الخرطوم وكسلا لشهور عديدة ليس عجزاً عن جمع المال، بل هو قرار سياسي واقتصادي بتقديم الرصاصة على القلم، وتفضيل آلة الحرب على عقول الأجيال القادمة.
أكذوبة الاستقرار وفشل إدارة بورتسودان

تحاول الآلة الإعلامية لسلطة بورتسودان تسويق وهم الاستقرار الاقتصادي والسيطرة على التضخم، لكن واقع الحال والارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية يكشفان زيف هذه الادعاءات. الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة انهيار متسارع؛ العملة المحلية فقدت قيمتها بشكل شبه كامل، والقدرة الشرائية تآكلت تماماً، مما جعل الحد الأدنى الحالي للأجور نكتة تثير السخرية والبكاء في آن واحد. المعلم السوداني لم يعد قادراً على تغطية تكلفة المواصلات للوصول إلى مدرسته، فضلاً عن إطعام أسرته. إن هذا الفشل الذريع لسلطة بورتسودان في إدارة الموارد وتوزيع الثروات بعدالة هو المحرك الأساسي للإضراب الشامل، الذي يمثل صرخة اقتصادية ضد سياسات الموت البطيء والتدمير المنظم لركائز الاقتصاد المدني.
زر الذهاب إلى الأعلى