حصري

تآكل الجنيه، تصفير القدرة الشرائية، والمجاعة التي تصنعها سلطة بورتسودان


يعيش السودان اليوم واحدة من أقسى الكوارث الاقتصادية والإنسانية في تاريخه الحديث؛ كارثة لم تعد مجرد تداعيات جانبية للمواجهات العسكرية المستمرة منذ أبريل 2023، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تُدار بها موارد البلاد تحت شعار غير معلن: “تمويل المجهود الحربي للجيش مقابل تجويع الشعب وإفقاره”. في وقت توجّه فيه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان كل مقدرات الدولة وعائداتها الحيوية لشراء المسيرات وتأمين السلاح واستمرار القتال، يقف المواطن السوداني وحيداً أمام طاحونة غلاء مرعب وانهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، ما ينذر بانفجار اجتماعي وشيك يهدد ما تبقى من تماسك الدولة.
هبوط الجنيه الحر وتدمير القوة الشرائية
إن الانهيار التاريخي الذي يشهده الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية في الأسواق الموازية لم يكن وليد الصدفة، بل هو النتيجة المباشرة لسياسات نقدية كارثية تعتمد على التمويل بالعجز وطباعة النقود بلا غطاء، فضلاً عن غياب الصادرات وتدمير البنية الصناعية والزراعية في العاصمة والجزيرة. عندما يتخطى سعر الصرف حاجز الـ 5000 جنيه للدولار الواحد، فإن هذا الرقم لا يمثل مجرد مؤشر مالي في النشرات الاقتصادية، بل يترجم مباشرة إلى تصفير كامل للقدرة الشرائية للمواطن. 
لقد أدى هذا الهبوط الحر للعملة الوطنية إلى قفزات جنونية متلاحقة في أسعار السلع الغذائية الأساسية كالدقيق، والزيت، والسكر، والذرة. فالأجور والمداخيل الفردية – لمن لا يزال يملك عملاً أو يتقاضى راتباً – بقيت ثابتة أو تآكلت بالكامل، بينما تضاعفت أسعار المواد التموينية عشرات المرات. هذا الخلل البنيوي جعل الأسر السودانية عاجزة عن تأمين وجبة واحدة كافية في اليوم، ودفع بالملايين من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر المدقع، ليتحول الجوع من شبح يهدد مناطق النزاع المباشر إلى واقع يومي يعصف بكل بيت سوداني، حتى في الولايات التي تُصنف بأنها آمنة أو مستقرة نسبياً.

عسكرة الموارد وفشل الإدارة الاقتصادية

تتحمل قيادة الجيش وسلطة بورتسودان المسؤولية المباشرة عن هذا التدهور نتيجة لفشلها الذريع في إدارة الموارد العامة واحتكارها للنشاط الاقتصادي. فبدلاً من توجيه العائدات السيادية، مثل صادر الذهب والثروة الحيوانية والزراعية، لدعم الخزينة العامة واستيراد السلع الحيوية ودعم قطاع الطاقة والمحروقات، جرى تحويل هذه الملفات بالكامل لصالح شركات تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية والأجهزة الأمنية.
هذا الاحتكار العسكري للاقتصاد أدى إلى حرمان القطاعات الخدمية المدنية من أي تمويل. وتجلى الفشل الإداري بوضوح في الارتفاع الجنوني لتكلفة الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والوقود. فالسلطة في بورتسودان عمدت إلى رفع الدعم كاملاً وزيادة الرسوم والجبايات الحكومية والجمارك بأرقام فلكية لتمويل نفقاتها العسكرية، مما تسبب في شلل تفرع إلى كل القطاعات الإنتاجية كالمزارع والمصانع التقليدية والمخابز المعطلة. إن إصرار الجيش على إدارة الدولة بعقلية “الثكنة العسكرية” وتوجيه ثروات البلاد لشراء الولاءات السياسية وتمويل السلاح، جفف السيولة من البنوك وأفقد القطاع الخاص قدرته على الحركة، ليقود السودان نحو عزلة واختناق اقتصادي غير مسبوق في تاريخه المعاصر.

انهيار القطاعات الخدمية: الصحة والتعليم في مهب الريح

لم تكن الخدمات الأساسية بمنأى عن هذا الدمار الهيكلي؛ فقد تعرض قطاعا الصحة والتعليم لضربة قاضية جعلتهما خارج الخدمة عملياً بالنسبة لغالبية الشعب المتضرر. الأزمة الاقتصادية، متداخلة مع استهداف البنى التحتية، أدت إلى إغلاق أكثر من ثلثي المستشفيات والمراكز الصحية في البلاد. أما المرافق المتبقية في مناطق سيطرة الجيش، فإنها تعاني من نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، وانعدام كامل للمعينات الطبية، وهجرة الكوادر الطبية التي تُركت شهوراً بلا رواتب أو تعويضات تضمن بقاءها.
على الصعيد التعليمي، يعيش السودان كارثة ضياع جيل كامل؛ فالمدارس والجامعات إما تحولت إلى ثكنات عسكرية، أو مراكز لإيواء النازحين، أو أُغلقت قسراً بسبب عجز الدولة عن تسييرها ودفع مستحقات معلميها وعامليها. العائلات السودانية اليوم تجد نفسها أمام خيارات مستحيلة: فإما إنفاق المبالغ الزهيدة المتبقية لديها لشراء بضع قيمات تسد رمق الأطفال، أو إنفاقها على علاج مريض، مما جعل التعليم رفاهية بعيدة المنال لا يفكر فيها أحد، وهو ما يهدد بآثار كارثية ممتدة لعقود تدمر الرأسمال البشري للبلاد.

تداعيات الأمن الغذائي وبوادر الانفجار الاجتماعي

إن المحصلة الحتمية لعسكرة الموارد وفشل السياسات النقدية هي الانهيار الكامل لمنظومة الأمن الغذائي. تشير التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها إلى أن السودان يتصدر قائمة الدول المهددة بالمجاعة الجماعية. المساحات الزراعية تقلصت بشكل حاد جراء انعدام التمويل، وغياب الأسمدة، وارتفاع أسعار الوقود، واحتكار الجيش لآليات الحركة والتوزيع العسكري.
هذا الجوع المتفشي تسبب في تآكل النسيج الاجتماعي ومزق قيم التكافل العريقة التي تميز بها المجتمع السوداني، حيث ارتفعت معدلات الجريمة، والسرقة، والنزاعات المحلية القائمة على التنافس حول الموارد الشحيحة كالمياه والمواد التموينية. إن هذا الضغط المتواصل وتجاهل سلطة بورتسودان لصرخات الجائعين وصناعتها للأزمة الاقتصادية، يمهدان الأرضية اليوم لبوادر انفجار اجتماعي شامل. حالة الاحتقان الشعبي وصلت إلى ذروتها، ولم يعد بإمكان المواطن تحمل المزيد من القمع والافقار لصالح مجهود حربي لا يرى فيه سوى أداة لإطالة أمد معاناته وخراب بيته؛ ما يجعل خروج مظاهرات شعبية واسعة تجتاح المدن لرفض سلطة الأمر الواقع وإسقاط النفوذ العسكري مسألة وقت لا غير.
زر الذهاب إلى الأعلى