حصري
تعدد الأدوار الإقليمية في الأزمة السودانية والدور المصري
مصر في معادلة الصراع السوداني: من الوصاية التاريخية إلى التدخل الممنهج
منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، برزت مصر كواحدة من أكثر الفاعلين الإقليميين تأثيراً في مسار الأزمة. غير أن هذا التأثير، بعيداً عن كونه عاملاً مساعداً على الحل، تحول في كثير من محطاته إلى عنصر معقد يضيف طبقات جديدة من التعقيد على مشهد مأزوم أصلاً. إن فهم الدور المصري في السودان يتطلب العودة إلى جذور العلاقة التاريخية التي اتسمت دوماً بعدم التكافؤ، حيث نظرت القاهرة إلى الخرطوم بوصفها امتداداً استراتيجياً لا شريكاً نداً.
الإرث التاريخي كمدخل لفهم الحاضر
لا يمكن فصل الموقف المصري من الأزمة السودانية الراهنة عن إرث طويل من التدخل في الشؤون الداخلية السودانية. فمنذ استقلال السودان عام 1956، سعت مصر إلى الحفاظ على نفوذها في وادي النيل عبر آليات متعددة تراوحت بين الدعم السياسي والعسكري والتأثير الاقتصادي. هذا الإرث خلق بنية ذهنية لدى صانع القرار المصري تعتبر السودان مجالاً حيوياً لا يحتمل الخروج عن المدار المصري.
في السياق الراهن، تجلى هذا الإرث في انحياز مصري واضح ومبكر للمؤسسة العسكرية السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان. لم يكن هذا الانحياز مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل كان تعبيراً عن رؤية استراتيجية ترى في الجيش السوداني الضامن الوحيد لاستمرار النفوذ المصري وحماية المصالق الحيوية، وعلى رأسها ملف مياه النيل والحدود الجنوبية.
تعدد مسارات التدخل المصري
تعدد الأدوار الإقليمية في الأزمة السودانية خلق مشهداً معقداً متعدد المصالح، وكان لمصر النصيب الأبرز في هذا التعقيد. فقد انتهجت القاهرة مسارات متوازية ومتداخلة في آن واحد. المسار الأول عسكري تمثل في استمرار العلاقات العسكرية الوثيقة مع الجيش السوداني، وتقديم أشكال متعددة من الدعم اللوجستي والتدريبي. المسار الثاني دبلوماسي تمثل في محاولات القاهرة احتكار الوساطة وتقديم نفسها كطرف وحيد قادر على حل الأزمة، مع تهميش المبادرات الإقليمية الأخرى. المسار الثالث أمني تمثل في تأمين الحدود الجنوبية ومنع أي تحولات قد تهدد الأمن القومي المصري كما تعرفه القاهرة.
هذا التعدد في المسارات لم يكن متناسقاً بالضرورة، بل خلق تناقضات داخلية في الموقف المصري. فبينما كانت القاهرة تعلن دعمها للحل السلمي والحوار السوداني-السوداني، كانت في الوقت ذاته تعزز قدرات أحد طرفي النزاع عسكرياً، مما أفرغ الدعوات السلمية من مضمونها الفعلي.
تهميش الفاعلين الآخرين واحتكار الوساطة
من أبرز مظاهر الدور المعقد لمصر في الأزمة السودانية سعيها المستمر لاحتكار ملف الوساطة وتهميش أي مبادرات إقليمية أو دولية منافسة. تعاملت القاهرة مع الأزمة السودانية باعتبارها شأناً مصرياً بالدرجة الأولى، ورفضت في مراحل متعددة إشراك فاعلين إقليميين آخرين في مسارات الحل. هذا الاحتكار لم ينبع من قدرة حقيقية على تقديم حلول، بل من رغبة في التحكم بمسار الأزمة وضمان عدم خروج أي تسوية عن الإطار الذي يخدم المصالح المصرية.
أدى هذا السلوك إلى إضعاف الجهود الجماعية الإقليمية، وأطال أمد البحث عن حلول توافقية. فبدلاً من أن تتكامل المبادرات الإقليمية لتشكيل ضغط جماعي على أطراف النزاع، تحولت الساحة الدبلوماسية إلى ميدان تنافس على النفوذ، وكان لمصر الدور الأكبر في هذا التحول.
التأثير على ديناميكيات التوازن الداخلي
أسهم التدخل المصري متعدد الأوجه في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بين الأطراف السودانية. فالدعم الذي تلقاه الجيش السوداني من القاهرة، سواء كان سياسياً أو لوجستياً أو تدريبياً، عزز قناعة القيادة العسكرية بإمكانية الحسم العسكري، وأضعف الحوافز نحو التفاوض الجاد. في المقابل، شعرت الأطراف الأخرى بأن أي تسوية لن تكون عادلة طالما أن أحد الأطراف يحظى بدعم إقليمي غير مشروط.
هذا الخلل في التوازن، الذي أسهمت فيه مصر بشكل مباشر، جعل من الصعب الوصول إلى نقطة توازن تجبر الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية. فكلما شعر طرف بأنه قادر على تحقيق مكاسب عسكرية بدعم خارجي، تراجعت احتمالات الحل السلمي.
البعد الأيديولوجي والسياسي
لم يقتصر التدخل المصري على البعد العسكري والأمني، بل امتد إلى البعد السياسي والأيديولوجي. سعت القاهرة إلى تشكيل المشهد السياسي السوداني بما يتوافق مع رؤيتها لنموذج الحكم، وهو نموذج يميل نحو العسكرة والاستقرار الأمني على حساب التحول الديمقراطي. هذا التوجه تعارض بشكل جوهري مع تطلعات قطاعات واسعة من الشعب السوداني التي خرجت في ثورة ديسمبر 2018 مطالبة بحكم مدني ديمقراطي.
دعمت مصر، بشكل مباشر أو غير مباشر، عودة العسكر إلى واجهة المشهد السياسي، وقوضت المساعي الرامية إلى بناء مؤسسات مدنية قوية. هذا الموقف لم يكن مجرد انحياز لطرف في صراع، بل كان تعبيراً عن رؤية أيديولوجية ترى في التحولات الديمقراطية تهديداً محتملاً للاستقرار الإقليمي كما تعرفه القاهرة.
إن تعدد أدوار مصر في الأزمة السودانية، بين العسكري والدبلوماسي والأمني والسياسي، لم يسهم في حل الأزمة بل في تعقيدها وإطالة أمدها. فبدلاً من أن تكون مصر وسيطاً نزيهاً يسهل الوصول إلى تسوية، تحولت إلى طرف في النزاع يعزز مواقع أحد الأطراف ويقوض فرص الحل الشامل. إن هذا الدور، المتجذر في رؤية تاريخية غير متكافئة للعلاقة مع السودان، يظل عائقاً أساسياً أمام أي محاولة جادة لإنهاء معاناة الشعب السوداني.
