مصر والسودان.. من حماية الحدود إلى الانخراط العسكري المتزايد
من بين القوى الإقليمية المحيطة بالسودان، تبدو مصر الأكثر ارتباطاً مباشرة بالحسابات الأمنية للجيش السوداني. فالعلاقة بين القاهرة والخرطوم لا تحكمها اعتبارات سياسية فقط، وإنما حدود مشتركة تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، ومياه النيل، وأمن البحر الأحمر، ومخاوف مشتركة من انتقال الحرب إلى المناطق الحدودية.
ومنذ اندلاع القتال في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، اتخذت القاهرة موقفاً داعماً للجيش السوداني، لكنها حاولت لفترة طويلة الحفاظ على مسافة من العمليات القتالية المباشرة.هذا الوضع بدأ يتغير بصورة أوضح خلال 2025 و2026.
الجيش السوداني والحسابات المصرية
بالنسبة للقاهرة، يمثل وجود جيش سوداني مركزي وقادر على السيطرة على مؤسسات الدولة عاملاً أساسياً في رؤيتها للأمن القومي.
وقد دعمت مصر سياسياً القوات المسلحة السودانية منذ بداية الحرب، ورفضت التعامل مع تفكك السودان أو ظهور كيانات متنافسة باعتباره أمراً يمكن قبوله على المدى الطويل.
وفي فبراير 2026، كشفت وكالة رويترز عن تطور لافت تمثل في نشر طائرات مسيرة تركية الصنع من طراز Bayraktar Akinci في قاعدة شرق العوينات المصرية القريبة من الحدود السودانية. واعتبر خبراء تحدثوا للوكالة أن وجود هذه الطائرات يشير إلى تحول في طبيعة الدور المصري، من الدعم السياسي واللوجستي إلى استعداد أكبر للتدخل العسكري المباشر.
الطائرات المسيرة.. علامة التحول
صور الأقمار الصناعية التي راجعتها رويترز أظهرت وجود طائرات Akinci في شرق العوينات خلال فترات مختلفة بين سبتمبر 2025 ويناير 2026.
هذه الطائرات من أكثر الطائرات المسيرة تطوراً في الترسانة التركية، ويمكنها التحليق لفترات طويلة وحمل ذخائر متنوعة.
وبحسب رويترز، فإن مسؤولين أمنيين مصريين أقروا بصورة خاصة بإرسال دعم لوجستي وتقني إلى القوات المسلحة السودانية، فيما أشارت مصادر إلى تجهيز مطارين في جنوب مصر بالمعدات العسكرية خلال الأشهر السابقة بهدف حماية الحدود وتنفيذ ضربات مرتبطة بالأمن القومي.
لكن القاهرة لم تعلن رسمياً تفاصيل عمليات عسكرية مصرية داخل السودان، كما أن بعض الروايات المتعلقة بتنفيذ غارات بقيت في إطار ما نقلته مصادر إقليمية وخبراء ولم تتمكن رويترز من التحقق منها بصورة مستقلة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين المؤكد والمرجح: وجود طائرات مسيرة متطورة قرب الحدود موثق بالصور، ووجود دعم سياسي ولوجستي للجيش السوداني معروف، أما حجم العمليات القتالية المصرية المباشرة داخل الأراضي السودانية فليس معلناً بالكامل.
لماذا تخشى مصر توسع الحرب؟
المخاوف المصرية تتجاوز مسألة من يسيطر على الخرطوم.فالسودان دولة مجاورة مباشرة، وأي انفلات أمني واسع يمكن أن يؤدي إلى موجات جديدة من النزوح، وتهريب السلاح، وانتقال الجماعات المسلحة، وتدهور السيطرة على الحدود.
كما أن القاهرة تنظر إلى السودان من زاوية أمن النيل. فالسودان يقع في منتصف منظومة النهر، ويملك موقعاً جغرافياً مهماً بين مصر وإثيوبيا والقرن الأفريقي.ولهذا ترى مصر أن استقرار السودان ليس ملفاً خارجياً عادياً، بل قضية مرتبطة مباشرة بأمنها القومي.
من الدعم السياسي إلى التحرك العسكري
كان الموقف المصري في البداية واضحاً في دعم مؤسسات الدولة السودانية، وعلى رأسها القوات المسلحة.ومع تغير خريطة الحرب، بدأت القاهرة تشعر بأن بقاء قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من غرب السودان، واقتراب خطوط الصراع من الحدود والمناطق الاستراتيجية، يمكن أن يخلق وضعاً أكثر خطورة.
وتشير رويترز إلى أن تغير السياسة المصرية جاء بعد سلسلة تطورات ميدانية، بينها تقدم قوات الدعم السريع في مناطق غربية وسقوط الفاشر في دارفور، الأمر الذي دفع القاهرة إلى إعادة تقييم درجة انخراطها في الحرب.
كما أن الجيش السوداني نفسه يستخدم منظومات مسيرة متنوعة، بينها أنظمة تركية وإيرانية، وهو ما يعكس تحول الحرب إلى صراع يعتمد بدرجة متزايدة على الطائرات من دون طيار والاستطلاع والضربات بعيدة المدى.
التعاون العسكري المصري ـ السوداني
العلاقات العسكرية بين القاهرة والخرطوم ليست جديدة.فقد جرت تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة بين البلدين قبل اندلاع الحرب، كما توجد روابط مؤسسية طويلة بين الجيشين.
لكن الحرب نقلت التعاون إلى مستوى أكثر حساسية.فوجود معدات عسكرية في قواعد قريبة من الحدود، وتقديم الدعم التقني واللوجستي، وتبادل المعلومات، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في قدرة الجيش السوداني على مواجهة خصومه.ومع دخول الحرب عامها الرابع، أصبحت هذه العلاقة جزءاً من معادلة الصراع نفسه.
القاهرة بين الحرب والوساطة
المفارقة أن مصر لا تقدم نفسها باعتبارها طرفاً عسكرياً في الحرب، بل تشارك أيضاً في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهائها.
وفي يونيو 2026، عقد وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا اجتماعاً ثلاثياً في القاهرة تناول ملفات إقليمية عدة، وكان السودان من أبرزها، مع تأكيد الدول الثلاث أهمية التنسيق من أجل الأمن والاستقرار وحل الأزمات.كما أن القاهرة تشارك في المسارات الإقليمية والدولية الخاصة بالسودان.
لكن الجمع بين دعم الجيش والمشاركة في الوساطة يضع مصر أمام معادلة صعبة. فمن جهة، تريد الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها، ومن جهة أخرى تحتاج إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف.
تأثير الدعم المصري على الحرب
لا يمكن النظر إلى الدعم المصري باعتباره عاملاً منفرداً حسم مسار الحرب، لأن الجيش السوداني يعتمد أيضاً على مصادر أخرى للسلاح والتكنولوجيا.لكن الدور المصري يكتسب أهميته من عاملين: الموقع الجغرافي والقدرة العسكرية.
مصر تملك قاعدة لوجستية قريبة من مسرح العمليات، وتملك قدرات جوية واستطلاعية متقدمة، كما أن حدودها الطويلة مع السودان تجعلها قادرة على التأثير في أمن المناطق الشمالية.وفي المقابل، فإن أي انخراط عسكري مصري أوسع قد يحمل مخاطر سياسية وأمنية، خصوصاً أن الحرب السودانية لم تعد صراعاً محلياً محدوداً، بل أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية واسعة.
أحدث المواقف المصرية والإقليمية
مع استمرار القتال في 2026، أصبح المجتمع الدولي أكثر تركيزاً على التدخلات الخارجية التي تمد أطراف الحرب بالأسلحة والتكنولوجيا والمقاتلين.
وفي سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن الدعم الخارجي يساهم في تعزيز القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة، وإن استخدام الطائرات المسيرة والقدرات بعيدة المدى وسع نطاق الخطر على المدنيين.وهذا يجعل الدور المصري أكثر حساسية، حتى لو كانت القاهرة تبرر تحركاتها باعتبارات الدفاع عن الحدود والأمن القومي.
إلى أين يتجه الدور المصري؟
المؤشرات المتاحة حتى سبتمبر 2026 توضح أن مصر انتقلت من سياسة الدعم السياسي الواضح للجيش إلى انخراط أمني وعسكري أكثر نشاطاً، خصوصاً في المناطق القريبة من حدودها.
لكن لا توجد دلائل علنية كافية للقول إن مصر دخلت الحرب رسمياً كطرف مقاتل.
الأدق هو وصف الدور المصري بأنه دعم سياسي قوي، ومساندة لوجستية وتقنية، وتعزيز عسكري على الحدود، مع تقارير عن عمليات جوية مرتبطة بالحرب لم تؤكدها القاهرة رسمياً.
وهذا الدور يرتبط قبل كل شيء بحسابات الأمن القومي المصري: حماية الحدود، منع انتقال الفوضى، الحفاظ على وحدة السودان، ومراقبة التطورات التي يمكن أن تؤثر في أمن النيل والبحر الأحمر.
وفي ظل استمرار الحرب، يبدو أن السودان بالنسبة لمصر لم يعد مجرد ملف دبلوماسي، بل أصبح امتداداً مباشراً لمنظومة أمنها القومي.
