إيران

من الحماية المستمرة إلى مواعيد محددة.. لماذا غيّرت واشنطن قواعد العبور في هرمز؟


قلّصت الولايات المتحدة منذ مطلع سبتمبر/ايلول نوافذ الحماية الجوية التي توفرها للناقلات التجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، في خطوة تعكس صعوبة الحفاظ على مظلة عسكرية مستمرة فوق أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، في وقت تكثف فيه إيران هجماتها على السفن.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” السبت، باتت البحرية الأميركية توجه الناقلات الراغبة في الاستفادة من الحماية الجوية إلى العبور ضمن نافذتين زمنيتين محددتين يوميا، بعدما كانت توفر في السابق فترات أوسع خلال الليل للسفن التي تسلك طريقاً بمحاذاة الساحل العُماني في الجانب الجنوبي من المضيق.

ومنذ مايو/حزيران، كانت شركات الشحن تنسق عبور سفنها مع مركز التنسيق البحري الأميركي، المعروف باسم “إن سي إيه جي إس”، الذي يزودها بالإحداثيات والتعليمات اللازمة للمرور، فيما توفر الطائرات الأميركية غطاء جوياً خلال فترات العبور المتفق عليها.

لكن رسائل إلكترونية اطلعت عليها “فايننشال تايمز” أظهرت أن النظام تغير في مطلع الشهر، وأصبحت السفن تتلقى مواعيد محددة للانطلاق، من بينها نافذة تبدأ في الساعة التاسعة صباحا.

ولا يعني ذلك أن السفن ممنوعة من عبور المضيق خارج هذه الأوقات، لكن السلطات البحرية الأميركية أوصت بالالتزام بها للحصول على أفضل مستوى ممكن من الدعم العسكري.

وقال جوشوا تاليس، المحلل البحري في مركز “سي إن إيه” للأبحاث الأمنية، إن تحديد مواعيد العبور يمثل وسيلة فعالة لإدارة كلفة الدفاع الأميركي المستمر وغير محدد المدة عن الطريق الجنوبي للمضيق.

وتشير تقديرات نقلتها الصحيفة إلى أن تشغيل طائرة عسكرية أميركية متقدمة قد يكلف بين 25 ألفاً و75 ألف دولار في الساعة، ما يجعل إبقاء طائرات مقاتلة في الجو لساعات طويلة يومياً عملية باهظة، خصوصاً إذا استمرت الأزمة لأشهر.

وقال مستشار أمني بحري يعمل مع سفن في الخليج للصحيفة إن تركيز الموارد الأميركية في نوافذ زمنية أقصر، بدلاً من فترة تمتد لنحو 12 ساعة ليلا، يتيح للولايات المتحدة استخدام قدرات عسكرية أكبر لحماية السفن خلال تلك الفترات.

ويستغرق عبور مضيق هرمز نحو سبع ساعات بالنسبة إلى سفينة تجارية تسير بسرعة بطيئة أو متوسطة، ما يجعل توقيت الرحلة عاملا حاسماً بالنسبة إلى شركات النقل التي تريد الاستفادة من الحماية الأميركية.

ويأتي تعديل واشنطن في ظل تصاعد الهجمات الإيرانية على الملاحة.

وبحسب “فايننشال تايمز”، تعرضت أكثر من 70 سفينة تجارية لهجمات منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط، فيما أُبلغ هذا الأسبوع عن هجمات على ناقلات قرب سواحل دبي والعراق.

وتواجه السفن أيضا تكتيكات إيرانية جديدة، إذ تستخدم بعض وحدات الحرس الثوري زوارق دورية صغيرة لمحاولة اكتشاف السفن التي تسلك الطريق العُماني، بينما تعمد بعض الناقلات إلى إطفاء أنظمة تحديد مواقعها وأضوائها خلال العبور لتقليل فرص اكتشافها.

وأظهرت بيانات نقلتها رويترز أن حركة السفن في المضيق تراجعت بصورة حادة.

ففي 10 سبتمبر/ايلول عبرت المضيق سبع سفن فقط، مقابل متوسط بلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، وبعيداً جداً عن المتوسط اليومي البالغ نحو 125 سفينة قبل الحرب. ولا تشمل هذه الأرقام السفن التي تعبر من دون تشغيل أجهزة تحديد المواقع.

وتشير بيانات القطاع إلى أن بعض النفط لا يزال يخرج من الخليج عبر ما يعرف بـ”العبور المظلم”، إذ تطفئ الناقلات أجهزة التتبع أثناء المرور.

وتقدر صادرات النفط من الخليج حالياً بنحو 15 إلى 16 مليون برميل يوميا، أي قرابة ثلثي مستويات ما قبل الحرب، فيما تشير تقديرات إلى أن نحو 40 مليار دولار من النفط نُقل بهذه الطريقة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

وانعكست المخاطر على تكاليف النقل. فقد وصلت أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة المتجهة من خليج عُمان إلى الصين إلى مستويات قياسية، في ظل إحجام مزيد من مالكي السفن عن المخاطرة بعمليات العبور في المنطقة.

وتحاول إيران في المقابل فرض ترتيباتها الخاصة على الملاحة، إذ أعلنت عزمها إنشاء “منطقة مقيدة” في المضيق، محذرة السفن التي تدخلها من إجراءات لم تحدد طبيعتها. وترى واشنطن في المقابل أن تنسيق حركة السفن مع قواتها يوفر وسيلة للحفاظ على جزء من حركة النفط رغم المخاطر.

ولا تبدو الأزمة مرشحة للانتهاء سريعا. ونقلت “فايننشال تايمز” عن شركة “كلاركسونز” للوساطة البحرية تقديرا بأن اضطرابات الملاحة في هرمز قد تستمر حتى النصف الثاني من عام 2027.

وتتزامن هذه الأزمة مع تضييق الخيارات البديلة أمام دول الخليج، فقد أغلقت السعودية خط أنابيب الشرق-الغرب بعد هجوم بطائرات مسيرة، وهو مسار استراتيجي يسمح بنقل النفط من الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز.

وينقل الخط نحو أربعة إلى خمسة ملايين برميل يومياً، وفق رويترز. كما سيطر الحوثيون على جزيرة ميون عند مدخل باب المندب، ما يضيف خطراً آخر على طرق تصدير الطاقة.

وفي ظل استمرار اضطراب هرمز وباب المندب وتعرض طرق بديلة للهجوم، تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل، فيما حذرت وكالة الطاقة الدولية من تداعيات كبيرة على إمدادات النفط العالمية.

وتكشف إعادة تنظيم الحماية الأميركية في هرمز، وفق هذه المعطيات، أن واشنطن لا تتخلى عن حماية الملاحة، لكنها تحاول جعلها قابلة للاستمرار في مواجهة تهديد عسكري طويل الأمد، عبر تركيز مواردها الجوية في أوقات محددة بدلا من إبقاء مظلة دفاعية مكلفة ومستمرة فوق المضيق.

زر الذهاب إلى الأعلى