حصري
عسكرة النفوذ وسباق التسلح.. كيف أسهمت القوى الإقليمية في إشعال الساحة السودانية؟
شهد المشهد السوداني تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع المسلح، حيث لم تعد المعارك الدائرة مجرد مواجهة داخلية بين فصائل عسكرية متناحرة، بل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وبناء النفوذ ومحاولة الهيمنة على البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي. تبرز أربع دول رئيسية في هذا السياق: مصر، وتركيا، والسعودية، وقطر، حيث أسهمت سياساتها المتباينة وأشكال دعمها المتعددة في تغذية الآلة العسكرية وإطالة أمد القتال بشكل مباشر وغير مباشر، مما جعل الحسم الميداني بعيد المنال وزاد من تعقيد المشهد الإنساني والسياسي.
لطالما نظرت مصر إلى السودان باعتباره امتداداً جيو-استراتيجياً لأمنها القومي، ولا سيما فيما يتعلق بملف مياه النيل والحدود الجنوبية. ومن هذا المنطلق، لم تتردد مصر في تقديم دعم عسكري ولوجستي واستخباراتي مكثف للقوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان. هذا الدعم الذي تضمن تزويد الجيش بالذخائر وتوفير غطاء جوي في مراحل مختلفة وتأمين الدعم اللوجستي العابر للحدود، ساهم في تعزيز ثقة قيادة الجيش في قدرتها على الحسم العسكري بدلاً من الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذه الرؤية المصرية القائمة على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الرسمية في السودان وإقصاء أي فصائل موازية، وضعت القاهرة في خندق الدعم المطلق الذي يرى فيه الطرف الآخر تصعيداً عسكرياً يحتم الاستمرار في المواجهة، مما حال دون إيجاد مساحة مرنة للتهدئة والتسوية السياسية الشاملة.
بالتوازي مع الدعم العسكري المصري، دخلت تركيا بقوة على خط التسلح في السودان من خلال تزويد الجيش السوداني بالتكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة من طراز “بيرقدار” وصيانة العتاد العسكري الثقيل. هذا التدخل التركي النوعي غيّر موازين القوى الميدانية في عدة جبهات حيوية مثل الخرطوم والجزيرة، حيث مكنت المسيّرات التركية الجيش من شن ضربات جوية دقيقة واستعادة بعض المواقع الاستراتيجية.
ومع ذلك، يرى المراقبون أن هذا التمدد العسكري التركي، رغم اعتماده على اتفاقيات رسمية مع الحكومة الشرعية في السودان، أسهم بشكل مباشر في صب الزيت على النار؛ إذ منح الجيش تفوقاً تكنولوجياً شجعه على رفض شروط التهدئة الدولية والتمسك بالخيار العسكري، مما جعل رقعة القتال تتسع جغرافياً وتستنزف ما تبقى من بنية تحتية في البلاد دون التوصل إلى حسم نهائي وناجز.
من جانبها، اتبعت السعودية استراتيجية مزدوجة زاوجت فيها بين النفوذ السياسي المباشر ومحاولات الاحتواء من خلال رعاية جولات تفاوضية في جدة، ولكن هذه التحركات لم تخلُ من أبعاد أدت إلى إطالة أمد النزاع. فبينما كانت الرياض تسعى لتثبيت حضورها كقائد إقليمي قادر على صياغة الحلول في البحر الأحمر، أوجدت مساراتها الدبلوماسية نوعاً من المناورة السياسية لأطراف النزاع. فالجيش والدعم السريع استغلا منبر جدة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف العسكرية على الأرض بدلاً من الالتزام الحقيقي بوقف إطلاق النار. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحسابات السعودية المتعلقة بضمان عدم خروج السودان من عباءة محورها الإقليمي جعلتها تتردد في فرض عقوبات حاسمة أو ممارسة ضغوط حقيقية على الأطراف المتحاربة، مما جعل وساطتها تراوح مكانها وتتحول بمرور الوقت إلى غطاء يستغله الخصوم لمواصلة حرب الاستنزاف المستمرة.
أما قطر، فقد وظفت علاقاتها السياسية والتاريخية الممتدة مع القوى السياسية السودانية، وخصوصاً تلك المحسوبة على التيار الإسلامي والنظام السابق، لتقديم دعم سياسي وإعلامي شكل رافعة قوية لقيادة الجيش. وعبر قنواتها الدبلوماسية ووسائلها الإعلامية، عملت الدوحة على إسناد الرواية الرسمية للجيش وتصوير الصراع باعتباره تمادياً من قوى متمردة يجب القضاء عليها بالكامل. هذا التموضع القطري عزز من الاصطفاف الأيديولوجي والسياسي داخل السودان، وصعّب من إمكانية قبول الجيش بأي تفاهمات سياسية قد تضمن للمجموعات الموازية دوراً في مستقبله، مما زاد من تصلب المواقف وصعوبة تقديم التنازلات المتبادلة التي يتطلبها أي اتفاق سلام حقيقي ومستدام.
إن هذا التشابك في الأدوار بين القوى الأربع—مصر ببعدها الأمني، وتركيا بتقنياتها العسكرية، والسعودية بمناوراتها الدبلوماسية، وقطر بإسنادها السياسي والأيديولوجي—صنع شبكة أمان إقليمية متعددة الأوجه لأطراف النزاع. ومكنت هذه التدخلات المتضاربة والمكملة لبعضها البعض قيادة الجيش من الصمود وتوسيع العمليات العسكرية، لكنها في الوقت ذاته جردت العملية السلمية من فاعليتها، وحولت السودان إلى ميدان لحرب بالوكالة تدفع ثمنها الدولة السودانية من سيادتها ووجودها.
