واشنطن تصعّد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان.. عقوبات وتحقيقات وضغط دولي
لم يعد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان قضية إنسانية وقانونية فقط، بل تحول إلى أحد مسارات الضغط الأميركي على السلطة العسكرية في البلاد، بالتزامن مع محاولات واشنطن دفع أطراف الحرب إلى وقف القتال والعودة إلى مسار سياسي.
فبعد أن أعلنت الولايات المتحدة في 2025 أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية، عادت في 2026 إلى تشديد إجراءاتها، بينما ساهمت التحقيقات الصحفية الجديدة في إعادة القضية إلى واجهة الاهتمام الدولي.
وفي يوليو/تموز 2026 دخلت عقوبات أميركية إضافية حيز التنفيذ، بعدما قررت واشنطن أن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لتفادي مزيد من الإجراءات بموجب قانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وشملت الإجراءات قيوداً على التمويل الدولي وبعض الصادرات، إضافة إلى تعليق قدرة شركات الطيران المملوكة للحكومة السودانية على تسيير رحلات إلى الولايات المتحدة.
هذه الإجراءات جاءت بعد قرار أميركي سابق في أبريل/نيسان 2025 خلص إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي، وهو القرار الذي أصبح أساساً لسلسلة من العقوبات.
لماذا تركز واشنطن على الكلور؟
القضية الأميركية تقوم أساساً على اتهام الحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب.
وتقول واشنطن إن الاستخدام وقع خلال 2024، في حين تشير التحقيقات الصحفية التي ظهرت لاحقاً إلى أن القوات المسلحة السودانية ربما كانت قد طورت ذخائر محملة بالكلور واستخدمتها في أكثر من موقع.
وقد عززت هذه التقارير الضغط على الحكومة السودانية، لأنها لم تعد تواجه فقط اتهاماً صادراً عن إدارة أميركية، وإنما أيضاً ملفات وثائقية مستقلة نسبياً نشرتها مؤسسات إعلامية دولية كبرى.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، نشرت «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» تحقيقات استندت إلى مواد قالت إنها حصلت عليها من مصادر أمنية، وتحدثت عن برنامج سري لإنتاج الذخائر الكيميائية داخل القوات المسلحة السودانية خلال 2024.
العقوبات لم تتوقف
في يونيو/حزيران 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية جولة جديدة من العقوبات المرتبطة بقانون الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وذكرت واشنطن أن السودان لم يستوف الشروط اللازمة لتجنب إجراءات إضافية.
وتشمل العقوبات معارضة منح السودان قروضاً أو مساعدات مالية وتقنية من المؤسسات المالية الدولية، مع استثناءات مرتبطة بالاحتياجات الإنسانية الأساسية، إلى جانب قيود تصديرية وإجراءات تتعلق بالطيران.
وهذه النقطة مهمة لأن العقوبات الأميركية لا تعني فقط إدانة سياسية، وإنما يمكن أن تفرض تكاليف اقتصادية مباشرة على مؤسسات الدولة.
وفي يونيو/حزيران أيضاً أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات شراء وتجنيد قالت إنها تسهم في استمرار الحرب، في خطوة منفصلة عن إجراءات الأسلحة الكيميائية لكنها جزء من استراتيجية أوسع للضغط على شبكات تمويل وتسليح الطرفين.
الملف يصل إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
الخطوة الأكثر أهمية من الناحية الفنية هي انتقال القضية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
فالمنظمة لا تعمل بمنطق العقوبات السياسية، وإنما وفق آليات تحقق وتحقيق فني مرتبطة باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وخلال جلسات المنظمة في يوليو/تموز 2026، أعادت الولايات المتحدة طرح اتهاماتها بأن السودان استخدم أسلحة كيميائية في 2024، وأنه ظل في حالة عدم امتثال خلال 2025، وفق Arms Control Association.
وبالتزامن، ظهرت دعوات من خبراء ومسؤولين سابقين في المنظمة لإجراء تحقيق مستقل.
وقال مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحدثوا إلى Euronews إن شهادات وأدلة تتعلق بحوادث وقعت في 2024 و2025 تستحق فتح تحقيق رسمي من المنظمة.
كما دعا خبراء سابقون إلى التحقيق في ما إذا كانت القوات المسلحة السودانية قد طورت ذخائر مملوءة بالكلور واستخدمتها في الحرب.
الخرطوم أمام معادلة صعبة
السلطات السودانية تنفي الاتهامات.
وبحسب الرد الذي نقلته «واشنطن بوست»، قالت الحكومة إن الاتهامات غير صحيحة، وإن مخزونات الكلور الموجودة في السودان مخصصة لأغراض معالجة المياه والاستخدامات المدنية والصناعية، مؤكدة استعدادها لإثبات ذلك أمام أي جهة دولية مختصة.
كما قالت السلطات إنها سبق أن دعت الولايات المتحدة إلى إرسال فريق تقني للتحقق من الاتهامات على الأرض.
ومن الناحية السياسية، يضع هذا الموقف الحكومة أمام اختبار واضح: إذا كانت ترفض الاتهامات باعتبارها غير صحيحة، فإن التعاون الكامل مع تحقيق دولي يمكن أن يوفر لها فرصة لتقديم أدلتها.
أما رفض التحقيق أو عدم تمكين المحققين من الوصول إلى المواقع، فقد يؤدي إلى استمرار الشكوك، حتى لو لم يكن الرفض في حد ذاته دليلاً على وقوع الجريمة.
لماذا يصعب التحقيق؟
الحرب نفسها تمثل العقبة الأكبر.
فمناطق واسعة من السودان تعرضت للقتال وتبدلت فيها السيطرة العسكرية، كما دمرت منشآت ومخازن وقواعد، فيما نزح ملايين الأشخاص.
والتحقيق في استخدام سلاح كيميائي يحتاج إلى سرعة كبيرة في جمع العينات، لأن بعض المواد تتحلل أو تختفي آثارها مع مرور الوقت.
كما يحتاج المحققون إلى فحص بقايا الذخائر، ومقابلة الشهود، وتحديد طبيعة الإصابات، ومراجعة سجلات النقل والإمداد، وتحليل الصور والأقمار الصناعية، ومطابقة كل ذلك مع الوثائق العسكرية.
ولذلك فإن وجود ملف وثائقي ضخم، مهما كانت أهميته، لا يغني عن التحقيق الميداني.
واشنطن تربط الملف بمسار الحرب
في الوقت نفسه، يأتي التصعيد الأميركي بشأن الأسلحة الكيميائية وسط أزمة سياسية أوسع بين واشنطن والسلطات العسكرية السودانية.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، تصاعد الخلاف بشأن خطة أميركية لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً يعقبها مسار سياسي، بينما انتقد مسؤولون من جانب الجيش السوداني المقترح الأميركي، معتبرين أنه قد يؤدي إلى تكريس واقع تقسيم البلاد. وأفادت Reuters بأن الولايات المتحدة منعت قائد الجيش عبد الفتاح البرهان من الحصول على تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل الخلاف حول خطة وقف إطلاق النار.
هذا السياق يجعل ملف الأسلحة الكيميائية جزءاً من علاقة أكثر توتراً بين واشنطن والسلطة العسكرية.
لكن من المهم عدم الخلط بين المسارين.
فإثبات استخدام الأسلحة الكيميائية يجب أن يعتمد على الأدلة الفنية والقانونية، وليس على الخلاف السياسي بين الحكومتين.
هل يمكن أن تتحول العقوبات إلى مسار جنائي؟
العقوبات الأميركية شيء، والمحاسبة الجنائية الدولية شيء آخر.
فالعقوبات يمكن أن تستهدف حكومة أو أفراداً أو كيانات بناء على قرارات سياسية وقانونية داخل الولايات المتحدة. أما المسؤولية الجنائية عن استخدام الأسلحة الكيميائية فتحتاج إلى تحديد الأشخاص المتورطين والأفعال التي ارتكبوها والأدلة التي تربطهم بها.
ولهذا تركز المنظمات المدنية السودانية على فكرة «المسؤولية الفردية».
فإذا ثبت أن شخصاً أمر باستخدام السلاح الكيميائي، فالمحاسبة يجب أن تستهدفه هو ومن تثبت مشاركته، وليس ملايين السودانيين.
أخطر ما في الملف: احتمال وجود برنامج
الاتهام الأخطر ليس مجرد استخدام قنبلة تحتوي على الكلور.
إنما احتمال وجود برنامج منظم للتطوير والتصنيع والتخزين.
فإذا ثبت ذلك، فإن الأمر يعني أن استخدام المادة لم يكن حادثاً عرضياً أو مبادرة فردية في ساحة المعركة، وإنما جزءاً من قدرة عسكرية تم بناؤها بصورة مقصودة.
وتشير التقارير التي نشرت في سبتمبر/أيلول إلى وثائق عن تصنيع واختبار وتخزين ذخائر، مع حديث عن كميات كبيرة. وقالت «واشنطن بوست» إن المواد التي راجعتها مجموعة من الخبراء والمسؤولين السابقين بدت ذات مصداقية، مع ضرورة الوصول إلى المواقع والشهود لإتمام التحقق.
ماذا بعد؟
المسار المقبل مرهون بدرجة كبيرة بقدرة المجتمع الدولي على تحويل المعلومات الحالية إلى ملف قابل للتحقق.
هناك الآن عدة مستويات من الأدلة: استنتاج أميركي رسمي، تحقيقات صحفية، وثائق ورسائل وصور، شهادات، وتقارير خبراء.
لكن الحلقة التي ما تزال مطلوبة هي التحقيق الفني الدولي الذي يربط هذه المستويات ببعضها.
فإذا تمكن المحققون من الوصول إلى المواقع التي يشتبه في تعرضها لهجمات كيميائية، فقد يستطيعون تحديد ما إذا كان الكلور قد استخدم كسلاح.
وإذا عثروا على بقايا ذخائر أو منشآت إنتاج، يمكن أن ينتقل الملف إلى مرحلة أكثر حسماً.
أما إذا تعذر الوصول إلى المواقع أو اختفت الأدلة، فقد يظل الملف محل نزاع سياسي وقانوني لسنوات.
في كل الأحوال، فإن التصعيد الأميركي خلال 2026، وظهور الأدلة الجديدة في سبتمبر/أيلول، والدعوات المتزايدة إلى تحقيق دولي، كلها تشير إلى أن ملف الأسلحة الكيميائية لم يعد قضية هامشية في الحرب السودانية.
لقد أصبح أحد الملفات التي قد تحدد شكل العلاقة بين الخرطوم والمجتمع الدولي، كما قد تكون له تداعيات على المسؤولين الذين يمكن إثبات تورطهم.
وفي نهاية المطاف، يبقى الاختبار الحقيقي هو الأدلة: لا العقوبات وحدها تثبت الجريمة، ولا النفي وحده ينفيها، وإنما التحقيق المستقل القادر على تحديد ماذا حدث، وأين حدث، وكيف حدث، ومن يتحمل المسؤولية.
