التحقيق السوداني تحت المجهر الدولي.. هل تكفي اللجنة الوطنية لحسم ملف الكيميائي؟
تواجه السلطات السودانية اختبارًا مهمًا في كيفية التعامل مع الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، خصوصًا بعد ظهور معلومات جديدة في التحقيقات الصحفية الدولية خلال سبتمبر 2026. فالقضية لم تعد محصورة في قرار أمريكي صدر عام 2025، بل أصبحت تشمل وثائق ومقاطع ورسائل قالت صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» إنها تشير إلى وجود برنامج عسكري مزعوم لتطوير ذخائر تحتوي على الكلور. وفي المقابل، تواصل السلطات السودانية رفض الاتهامات، وتقول إنها ملتزمة بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإن المواد الكيميائية الموجودة في البلاد مخصصة للاستخدامات المدنية والصناعية المشروعة. وبين هاتين الروايتين، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع التحقيقات الوطنية وحدها إقناع المجتمع الدولي، أم أن طبيعة القضية تتطلب مشاركة مستقلة من خبراء دوليين يمتلكون القدرة على فحص الأدلة والمواقع؟
-
اتهامات الأسلحة الكيميائية تضع الجيش السوداني أمام اختبار القانون الدولي
-
جسر حيوي في مرمى الجيش السوداني.. تدمير معبر استراتيجي في النيل الأزرق
بدأت المرحلة الأبرز من المواجهة الدولية في أبريل 2025، عندما أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية، ثم اتخذت إجراءات عقابية. ورفضت السلطات السودانية هذا الاستنتاج، وأعلنت تشكيل لجنة للتحقيق في الاتهامات. وقدمت اللجنة، وفق ما نقلته تقارير لاحقة، نتائج تفيد بعدم العثور على أدلة على تلوث كيميائي أو إشعاعي في القياسات التي أجريت. غير أن نشر مواد جديدة في سبتمبر 2026 أعاد طرح أسئلة بشأن نطاق التحقيق السابق، والوثائق التي كانت متاحة أمامه، ومدى استقلالية أعضائه، وما إذا كانت المواقع المرتبطة بالاتهامات قد خضعت لفحص كافٍ. وهذه الأسئلة لا تعني أن نتائج اللجنة خاطئة بالضرورة، لكنها تعني أن أي استنتاج سابق يجب أن يكون قابلًا للمراجعة عندما تظهر أدلة جديدة ذات صلة.
وتتعلق إحدى أهم المشكلات في التحقيقات الوطنية بضرورة التمييز بين الاستقلال القانوني والاستقلال العملي. فقد تُنشأ لجنة بقرار رسمي، وتُمنح صلاحيات واسعة على الورق، لكنها قد تواجه صعوبات في الوصول إلى الوثائق العسكرية أو مقابلة الشهود أو فحص المواقع التي تقع تحت سيطرة جهات أمنية. وقد تتأثر التحقيقات أيضًا بقيود تتعلق بالأمن أو باستمرار الحرب أو بضعف الإمكانات الفنية. لذلك لا يكفي تقييم اللجنة من خلال الجهة التي أنشأتها، بل يجب النظر إلى طريقة عملها، والموارد التي حصلت عليها، والجهات التي تمكنت من مقابلتها، ونوعية الأدلة التي جمعتها، ومدى إتاحتها النتائج للمراجعة المستقلة.
-
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام اختبار التحقيق في السودان
-
اتهامات الأسلحة الكيميائية في السودان.. وثائق جديدة تضع الجيش تحت ضغط دولي
ويزداد الأمر حساسية عندما تتعلق القضية بمؤسسة عسكرية تمثل طرفًا في الحرب. ففي هذه الحالة، قد تكون المؤسسة نفسها مصدرًا مهمًا للمعلومات والوثائق، لكنها قد تكون أيضًا الجهة التي توجه إليها الاتهامات. وهذا لا يجعل التحقيق الداخلي غير مشروع تلقائيًا، لكنه يفرض اتخاذ ضمانات إضافية لتجنب تضارب المصالح. ومن هذه الضمانات إشراك خبراء مستقلين، وتوثيق سلسلة حيازة الأدلة، وإتاحة النتائج الفنية للمراجعة، وتوضيح كيفية التعامل مع المعلومات التي تناقض الرواية الرسمية. كما ينبغي الفصل بين من يملك المعلومات التشغيلية المتعلقة بالعمليات العسكرية وبين من يتولى إصدار الحكم الفني على الأدلة.
وفي أكتوبر 2026، أوضحت الحكومة البريطانية أمام مجلس اللوردات أنها تتابع التقارير الجديدة المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، وأنها أثارت هذه المسألة مع ممثلين عن القوات المسلحة السودانية، وحثت السودان على استكمال تحقيقه وإبلاغ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالنتائج. ويعكس هذا الموقف استمرار الاهتمام الدولي بالقضية، لكنه لا يعني أن الحكومة البريطانية أعلنت امتلاكها دليلًا نهائيًا يحسم جميع الاتهامات. فالبيان البريطاني تحدث عن مراجعة الادعاءات والتعامل معها بجدية، وهو ما يؤكد أهمية استكمال التحقيقات الفنية بدل الاكتفاء بالمواقف السياسية المتعارضة.
-
قصف شرشار.. ضربة جديدة لفرص التسوية في السودان
-
الجيش السوداني واتهامات الأسلحة الكيميائية.. أدلة جديدة وضغوط دولية متصاعدة
أما منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فإن دورها يرتبط بالتحقق من الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية، وفق صلاحياتها وإجراءاتها. وتكمن أهمية الاستعانة بالجهات الفنية المختصة في أنها تستطيع تقييم الأدلة الكيميائية والبيئية، ومراجعة الوثائق ذات الصلة، وتحديد ما إذا كانت المعلومات المتاحة تدعم استنتاجًا معينًا أو تتطلب مزيدًا من الفحص. لكن يجب عدم افتراض أن المنظمة أجرت بالفعل تفتيشًا ميدانيًا أو أصدرت حكمًا نهائيًا بشأن جميع الوقائع لمجرد أن القضية أثيرت أمامها. فالتقارير الصحفية، والقرارات الحكومية، ونتائج التحقيقات الفنية، أحوال مختلفة ينبغي عدم دمجها في رواية واحدة.
وتتطلب القضية كذلك التعامل مع الأدلة الرقمية بطريقة تحافظ على سلامتها. فقد أشارت التحقيقات الصحفية المنشورة في سبتمبر 2026 إلى ملفات تضم صورًا ومقاطع ورسائل ومراسلات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين. وأفادت «واشنطن بوست» بأنها استعانت بخبراء في الأدلة الرقمية لمراجعة مواد بصرية وصوتية، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن خبراء رأوا أن المواد تبدو متسقة مع برنامج كيميائي مزعوم، مع التحفظ على ضرورة التحقق الميداني. ومع أهمية هذه المراجعات، فإن إثبات عدم تعديل ملف رقمي لا يثبت وحده صحة جميع المعلومات المكتوبة بشأنه، ولا يحدد تلقائيًا هوية كل شخص يظهر فيه أو المسؤولية القانونية عن الأفعال الموصوفة. لذلك يجب أن يشمل التحقيق التحقق من أصالة المادة وسياقها، ومقارنتها بأدلة مستقلة، وتحديد ما يمكن استنتاجه منها بدقة.
-
الأسلحة الكيميائية تفتح ملف المؤسسة العسكرية السودانية.. اختراقات داخلية واتهامات بالتستر وعلاقات خارجية تثير الأسئلة
-
قضية شمیم مافي تفتح ملف تسليح خارجي في الحرب السودانية
ومن المسائل التي تحتاج إلى اهتمام خاص، تحديد طبيعة المواد التي قيل إنها استُخدمت في الحوادث المشتبه بها. فالكلور مادة صناعية معروفة لها استخدامات مدنية مشروعة، ولا يكفي وجودها في منشأة أو مخزن لإثبات أنها استُخدمت كسلاح. كما أن أعراضًا مثل ضيق التنفس وتهيج العين قد تشير إلى التعرض لمادة مهيجة، لكنها لا تحدد بمفردها المادة أو مصدرها. ولهذا يحتاج التحقيق إلى الجمع بين العينات البيئية والطبية، وسجلات النقل والتخزين، وشهادات الشهود، والمقاطع المصورة، والمعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية. وإذا تعذر الحصول على عينات من موقع الحادث بسبب مرور الوقت أو تغير الظروف، فينبغي توضيح هذا القيد عند صياغة الاستنتاجات.
وتبقى حماية الشهود أحد الشروط الأساسية لأي تحقيق موثوق. فالأشخاص الذين يملكون معلومات عن الحوادث قد يخشون التعرض للانتقام أو الاتهام بالخيانة أو الضغط عليهم لتغيير أقوالهم. ولذلك ينبغي أن تتوافر إجراءات تتيح لهم الإدلاء بشهاداتهم بأمان، مع حماية بياناتهم الشخصية عند الضرورة، وتوثيق أقوالهم بطريقة تتيح تقييم مدى اتساقها مع الأدلة الأخرى. كما يجب ألا يتحول الشهود إلى أدوات في الحملات الإعلامية، وألا تُنشر صورهم أو معلوماتهم الخاصة بصورة قد تعرضهم للخطر.
-
غاز الكلور في حرب السودان.. أدلة جديدة تعيد الجيش إلى دائرة الاتهام
-
حرب السودان.. هل حان وقت معركة الحسم؟
ومن جهة أخرى، لا يجوز أن تتحول المطالبة بالتحقيق الدولي إلى افتراض أن المسؤولية ثبتت سلفًا. فالتحقيق المستقل قد يؤكد بعض الاتهامات، أو يحدد أن بعض الأدلة غير كافية، أو يكشف وجود تفسيرات بديلة لبعض الوقائع. وتكمن قيمته في قدرته على التمييز بين هذه الاحتمالات، وليس في الوصول إلى نتيجة ترضي طرفًا سياسيًا معينًا. كما ينبغي احترام حق السلطات السودانية في الرد على الأدلة وتقديم الوثائق التي تدعم موقفها، على أن يكون الرد خاضعًا للمعايير نفسها التي تطبق على المواد المقدمة ضدها.
إن استمرار الحرب يجعل هذه القضية أكثر تعقيدًا، لأن الوصول إلى المواقع والشهود قد يكون محدودًا، ولأن بعض الوثائق قد تتعرض للتلف أو الفقدان. لكن هذه الصعوبات لا تبرر التخلي عن التحقيق؛ بل تجعل توثيق الأدلة وحفظها أكثر إلحاحًا. ويمكن للجهات الدولية أن تدعم هذا المسار عبر المساعدة الفنية، وتطوير إجراءات حفظ الأدلة، وتسهيل التعاون بين الخبراء، مع احترام القواعد القانونية والضمانات المتعلقة بحماية الشهود.
-
تحقيق أم تملص؟ حكومة البرهان تواجه اتهامات باستخدام أسلحة محظورة
-
الجيش السوداني بشن هجوم بطائرات مسيّرة وسقوط عشرات الضحايا
في النهاية، لن تكون اللجنة الوطنية مقنعة للمجتمع الدولي لمجرد أنها أصدرت تقريرًا، كما لن تكون التحقيقات الصحفية كافية وحدها لحسم المسؤولية القانونية. المطلوب هو مسار يجمع بين التحقيق الوطني المستقل، والتعاون مع الجهات الفنية الدولية، وإتاحة الأدلة للفحص، وتوضيح المنهجية والنتائج والقيود. وإذا أرادت السلطات السودانية إنهاء الشكوك، فإن إعادة فحص المعلومات الجديدة ستكون خطوة مهمة نحو ذلك. وإذا أرادت الجهات التي تتبنى الاتهامات تحقيق المساءلة، فعليها أيضًا تقديم الأدلة بصورة تسمح بمراجعتها. وفي الحالتين، تظل الحقيقة وحماية المدنيين أهم من الحفاظ على صورة أي مؤسسة أو انتصار أي حملة إعلامية.
-
شهود وأعراض وسحابة صفراء.. لماذا يطالب خبراء سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بتحقيق دولي في السودان؟
-
تقارير ميدانية تتهم الجيش السوداني بتنفيذ هجوم مسيّر على تجمع مدني في كتم
