الشرع والزيدي يواجهان تحديات النفوذ الإيراني.. تعزيز حضور الدولة
حمل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في نيويورك الاربعاء دلالات سياسية تتجاوز بحث العلاقات الثنائية، بعدما تناول الشرع بصورة مباشرة تداعيات النفوذ الإيراني داخل العراق ودور الجماعات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، في وقت تتحرك فيه بغداد لإعادة تنظيم ملف السلاح وتعزيز سلطة مؤسساتها الأمنية.
وخلال جلسة حوارية نظمها المجلس الأطلسي في نيويورك عقب اللقاء، ربط الشرع بين تصاعد النفوذ الإيراني في العراق والتداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية على البلاد، معتبرا أن التدخلات التي أعقبتها أسهمت في وصول طهران إلى مواقع مؤثرة داخل الدولة العراقية. وأشار إلى وجود فصائل محظورة تعمل خارج مؤسسات الدولة، وقال إن الزيدي يسعى إلى إخضاع سلاحها لسلطة الحكومة لكن يواجه “ارثا ثقيلا جدا”.
وتكتسب تصريحات الرئيس السوري أهمية في ظل التحول الذي يشهده العراق بشأن العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. فقد أعلن الزيدي خطة تستهدف إنهاء ملف سلاح الفصائل وحلها بحلول منتصف عام 2027، في مسار تقول بغداد إنه يهدف إلى إخضاع الجماعات المسلحة لسلطة الدولة، وسط تعقيدات ترتبط بعلاقات العراق مع إيران والولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، يبدو ملف السيادة الأمنية أحد القواسم المشتركة في الخطاب السياسي للشرع والزيدي، إذ يربط الطرفان استقرار الدولة بقدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري، وإن اختلفت ظروف البلدين وطبيعة التحديات التي يواجهها كل منهما. ويأتي ذلك بالتزامن مع مساعٍ عراقية وسورية لتجاوز الخلافات وإعادة بناء قنوات التعاون بين بغداد ودمشق.
وعلى المستوى الثنائي، بحث الشرع والزيدي في نيويورك سبل تطوير العلاقات بين البلدين وتعزيز التعاون في مجالات متعددة، إلى جانب الجهود الرامية إلى دعم التهدئة وخفض التوتر في المنطقة وذلك وفق وكالة الانباء الرسمية السورية وبيان من مكتب الزيدي. ويأتي اللقاء ضمن سلسلة اتصالات تعكس اتجاها نحو توسيع التعاون بعد مرحلة اتسمت بتباعد المواقف السياسية بين الجانبين.
اقتصاديا، طرح الشرع رؤية لإعادة تنشيط الروابط بين البلدين عبر مشاريع تتصل بالطاقة والنقل، وفي مقدمتها إنشاء مسار لنقل النفط العراقي إلى الساحل السوري. وقال إن دمشق تعمل على توفير طريق آمن للصادرات العراقية عبر موانئها، في مشروع يستهدف منح العراق خيارا إضافيا لتصدير نفطه وتوسيع المصالح الاقتصادية المشتركة.
ويرتبط هذا الطرح أيضا بإعادة إحياء خطوط التعاون التي تعطلت خلال العقود الماضية بفعل الخلافات السياسية. وكان العراق قد دخل بالفعل في مباحثات بشأن مشروع مقترح لخط أنابيب يصل البصرة بميناء بانياس السوري، ما يعكس انتقال العلاقات تدريجيا من إدارة الملفات الأمنية والسياسية إلى البحث عن مصالح اقتصادية طويلة الأمد.
وفي المقابل، لا يغفل الشرع البعد الإقليمي للعلاقات مع العراق، إذ أبدى إشادة بالعلاقات مع إقليم كردستان، مؤكدا وجود تعاون اقتصادي وأمني واتصالات مع قياداته. كما أشار إلى الدور الذي لعبته حكومة الإقليم في المساعدة على معالجة ملف قوات سوريا الديمقراطية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وبذلك يتقاطع المساران السوري والعراقي عند هدف معلن يتمثل في تعزيز مؤسسات الدولة وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني، بالتوازي مع التعامل مع إرث طويل من التدخلات الخارجية وتعدد مراكز القوة. ويضع هذا التقارب أمام دمشق وبغداد فرصة لإعادة صياغة العلاقة على أساس المصالح المتبادلة، فيما يبقى نجاح مسار حصر السلاح بيد الدولة في العراق واختبار قدرة الحكومتين على تثبيت سيادتهما من أبرز الملفات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
