العراق يسرّع تعزيز دفاعاته الجوية استعداداً لمرحلة ما بعد التحالف
أعلن الناطق باسم وزارة الدفاع العراقية اللواء يحيى رسول صدور توجيهات لتسريع إجراءات تسليح قيادة الدفاع الجوي، وتقليص المدة اللازمة لإتمام التعاقد على منظومات حديثة، مع تخصيص الموازنة المطلوبة لعملية التسليح، معرباً عن أمله في بدء التعاقد خلال الأيام المقبلة.
وتأتي هذه الخطوة في مرحلة حساسة بالنسبة إلى العراق، تتزامن مع التحول في مهمة التحالف الدولي وانسحاب قواته، إلى جانب مساعي بغداد لتعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وسط تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة.
بغداد تسعى إلى بناء مظلة دفاعية مستقلة
وتكتسب عملية تحديث الدفاعات الجوية أهمية خاصة مع اقتراب انتهاء الصيغة العسكرية لمهمة التحالف الدولي التي استمرت لسنوات في مواجهة تنظيم «داعش». فقد استفاد العراق خلال هذه المرحلة من قدرات متقدمة في المراقبة الجوية والاستخبارات والإنذار، وهي قدرات تحتاج المؤسسات العراقية إلى تطوير بدائل وطنية مستقلة لها.
ومع تراجع الوجود العسكري الأجنبي، ستتحمل بغداد بصورة أكبر مسؤولية مراقبة مجالها الجوي والتعامل مع أي اختراقات أو تهديدات عابرة للحدود، ما يجعل امتلاك منظومة دفاع جوي متكاملة أولوية أمنية متزايدة.
ولا يتعلق الأمر بشراء بطاريات صاروخية فقط، بل ببناء شبكة متكاملة تشمل الرادارات والإنذار المبكر ومراكز القيادة والسيطرة وأنظمة الاتصالات، إضافة إلى الطائرات الاعتراضية والتدريب وعمليات الصيانة والدعم الفني.
تمويل مستقل لتسريع بناء القدرات
وتتزامن هذه التوجيهات مع دعوات داخل مجلس النواب العراقي إلى تخصيص موازنات مستقلة لقوات الدفاع الجوي وسلاح الجو، بدلاً من الاعتماد بصورة كاملة على الموازنة التقليدية لوزارة الدفاع.
ويهدف هذا التوجه إلى تسريع عملية بناء قدرات دفاعية حديثة قادرة على حماية الأجواء العراقية، خصوصاً في ظل التطور المتسارع في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في الصراعات الإقليمية.
ويمثل امتلاك هذه القدرات انتقالاً تدريجياً من الاعتماد على الحماية الخارجية إلى بناء منظومة وطنية قادرة على اكتشاف التهديدات الجوية والتعامل معها واتخاذ القرار العسكري وفق المصالح العراقية.
الدفاع الجوي جزء من مشروع حصر السلاح
ويرتبط تحديث الدفاعات الجوية أيضاً بمشروع الحكومة العراقية لتعزيز احتكار الدولة للسلاح واستخدام القوة.
فقدرة الدولة على فرض سيادتها لا تقتصر على ضبط السلاح داخل المدن، وإنما تشمل امتلاك المؤسسات الرسمية الوسائل العسكرية اللازمة لحماية الحدود والمجال الجوي والمنشآت الحيوية.
ومن شأن تعزيز قدرات الجيش والدفاع الجوي أن يمنح بغداد هامشاً أكبر لتنظيم وضع الفصائل المسلحة وإخضاع قرار استخدام القوة للمؤسسات الرسمية، إذ إن تعزيز قدرات الدولة الدفاعية يرفع قدرتها على فرض سياسة أمنية موحدة.
موقع العراق يزيد المخاطر
وتزداد الحاجة إلى تطوير الدفاعات الجوية بسبب الموقع الجغرافي للعراق، الذي يقع وسط منطقة تشهد تنافساً وصراعات متشابكة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وقوى إقليمية أخرى.
وفي حال اندلاع مواجهة واسعة، يمكن أن تتحول الأجواء العراقية إلى ممر للصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يضع المدن والمنشآت الحيوية ومرافق الطاقة أمام مخاطر مباشرة أو غير مباشرة.
وقد أظهرت التطورات الأمنية خلال السنوات الماضية أن ضعف القدرة على مراقبة المجال الجوي يجعل بغداد أكثر عرضة لاختراقات وعمليات عسكرية يصعب عليها منعها أو الرد عليها بصورة مستقلة.
حماية سياسة النأي بالنفس
ولا تنحصر أهمية منظومة الدفاع الجوي في الجانب العسكري، بل تمتد إلى السياسة الخارجية العراقية. فكلما امتلكت بغداد قدرة أكبر على مراقبة أجوائها وحمايتها، زادت قدرتها على تطبيق سياسة تقوم على عدم تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وبذلك، لا يمثل تسريع تسليح الدفاع الجوي مجرد صفقة عسكرية جديدة، بل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء قدرة أمنية عراقية مستقلة في مرحلة ما بعد التحالف، وتعزيز سيادة الدولة على أجوائها وحدودها، وتقليل اعتمادها على القوى الخارجية في حماية أمنها الوطني.
