في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالسلاح فحسب، بل تُحسم في ساحات الرواية والإدراك. هنا يبرز أحد أبرز أوجه الدور السلبي للتدخل القطري في الأزمة السودانية، والذي تجلى في التوظيف المكثف للقوة الناعمة، وتحديداً الإعلام والدبلوماسية الموازية. لقد أسهمت الآلة الإعلامية القطرية، وعلى رأسها شبكة الجزيرة ووسائل الإعلام التابعة لها، في تأطير النزاع السوداني بطريقة استقطابية، عمقت من الهوة بين الأطراف، وزادت من تعقيد المشهد الداخلي. بالتوازي مع ذلك، مارست الدوحة “دبلوماسية موازية” من خلال استضافة المؤتمرات وتسهيل منصات التواصل للفصائل المتنازعة، مما خلق مسارات دبلوماسية متضاربة أطالت أمد الصراع.
الإعلام كأداة لتأجيج الاستقطاب وتزييف الوعي
لعبت وسائل الإعلام القطرية دوراً محورياً في تشكيل الرواية السائدة حول الأزمة السودانية، خاصة بعد اندلاع حرب أبريل 2023. بدلاً من تبني خطاب إعلامي محايد يسعى لتهدئة النفوس أو كشف الحقائق بموضوعية، اتجهت التغطية الإعلامية القطرية نحو تبني روايات أحادية الجانب في كثير من الأحيان. تم توظيف المنصات الإعلامية لتقديم بعض الفصائل المسلحة أو السياسية بمظهر “المدافعين عن الديمقراطية” أو “ضحايا العدوان”، بينما تم تغييب أو تشويه روايات الأطراف الأخرى. هذا التأطير الإعلامي لم يقتصر تأثيره على الخارج فحسب، بل تسرب إلى الداخل السوداني، مما أدى إلى تسييس الشارع، وتأجيج المشاعر القبلية والجهوية، وتعميق حالة الاستقطاب الحاد التي جعلت من أي مصالحة وطنية أمراً شبه مستحيل.
الدبلوماسية الموازية واستضافة الفصائل
إلى جانب الحرب الإعلامية، مارست قطر دبلوماسية موازية من خلال تحويل الدوحة إلى “عاصمة بديلة” للسياسيين السودانيين. استضافت الدوحة العديد من القيادات السياسية والفصائل المسلحة، ووفرت لهم منصات إعلامية ودبلوماسية عالمية. في حين أن استضافة الحوارات قد تبدو للوهلة الأولى كجهود للسلام، إلا أن الطريقة التي أُديرت بها هذه الاستضافات أسهمت في تعقيد الأزمة. فقد تم توظيف هذه المنصات لمنح شرعية دولية لفصائل لا تملك ثقلها الحقيقي على الأرض، أو لاستخدامها كورقة ضغط ضد مسارات التفاوض الرسمية. هذا التعدد في المسارات الدبلوماسية خلق “فوضى دبلوماسية”، حيث أصبح كل فصيل سوداني يرفض الانصياع لأي مسار تفاوضي لا ترضى عنه الدوحة، أو يهدد بالانسحاب إذا لم تُلبَ مطالبه في المؤتمرات التي تُعقد تحت المظلة القطرية.
تأثير التدخل الإعلامي والدبلوماسي على ديناميكيات الصراع
إن التداخل بين الإعلام والدبلوماسية خلق حلقة مفرغة أطالت أمد الصراع. فالإعلام القطري يخلق ضغطاً دبلوماسياً على المجتمع الدولي للتعامل مع رواية معينة، بينما تستخدم الفصائل السودانية هذا الغطاء الإعلامي والدبلوماسي لرفض التنازلات على الأرض. على سبيل المثال، عندما تروج وسائل الإعلام القطرية لرواية تفيد بأن طرفاً معيناً هو الممثل الشرعي الوحيد للمدنيين، فإن ذلك يعطي هذا الطرف ذريعة لرفض أي تفاهمات مع أطراف أخرى، معتبراً أن لديه الغطاء الدولي الكافي لفرض شروطه. هذا الديناميكية أدت إلى شلل في العملية السياسية، وأطالت أمد الحرب، لأن الأطراف أصبحت تقاتل من أجل “الرواية” و”الشرعية الدولية” بقدر ما تقاتل من أجل السيطرة على الأرض.
لقد أثبتت الحرب الإعلامية والدبلوماسية الموازية التي مارستها قطر أنها ليست مجرد أدوات تكميلية، بل هي محركات أساسية لاستمرار الأزمة. من خلال تزييف الوعي، وتأطير النزاع بطريقة استقطابية، وخلق مسارات دبلوماسية متضاربة، أسهمت الدوحة في تآكل الثقة بين الأطراف السودانية، وجعلت من أي مبادرة للحل الشامل مشروعة مسبقاً بالفشل، ما لم تكن الدوحة هي الراعي الوحيد والموحّد لها، وهو شرط يتعذر تحقيقه في ظل تعقيد المصالح وتداخلها.
