ذهب الدماء وثروات الصحراء: الصراع على الموارد يشعل حدود السودان ومصر
رغم التدمير الشامل الذي طال البنية التحتية والمنشآت الحيوية في السودان جراء الحرب الأهلية التي دخلت عامها الثالث، ظل قطاع التعدين التقليدي عن الذهب بمثابة “شريان الحياة” الوحيد للاقتصاد السوداني المتهالك ومصدراً أساسياً لتمويل احتياجات الملايين. وبحسب أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن [الشركة السودانية للموارد المعدنية] حققت عائدات التعدين التقليدي طفرة هائلة خلال الربع الأول من عام 2026، متجاوزة الخطط المستهدفة بنسبة بلغت 113%.
هذا النمو الهائل، والإنتاج القياسي للذهب الذي تجاوز 70 طناً في الأعوام الأخيرة، جعل من مناطق شمال السودان وصحراء ولاية نهر النيل والبحر الأحمر نقاط جذب استراتيجية لآلاف العمال والشركات. وتعتبر منطقة “شمال الوادي” و”جبل العقيدات” المتاخمة للحدود المصرية من أغنى الأحزمة التعدينية في المنطقة، حيث يتواجد الذهب بتركيزات عالية في الصخور السطحية، مما فتح الباب أمام مواجهات صامتة ومعقدة حول الاستغلال الاقتصادي لهذه الثروات الكامنة في أراضٍ حدودية متداخلة ومتنازع عليها تاريخياً.
جذور الخلاف: الحدود المفتوحة والشركات المرخصة
الأزمة الأخيرة التي تفجرت في مناجم جبل العقيدات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الصراع الاقتصادي المحموم بين المنقبين الأهليين والشركات الاستثمارية المنظمة. وتكشف التقارير الميدانية أن منطقة “شمال الوادي” تضم جبالاً غنية بالمعادن كانت تعمل في بعض أجزائها شركات تعدين رسمية حاصلة على امتيازات من السلطات. ويتهم الجانب المصري المعدنيين السودانيين التقليديين (الدهّابة) بتجاوز الحدود الدولية غير المرسمة بدقة في تلك الأصقاع الصحراوية، والتسلل للعمل داخل مناطق الامتياز المخصصة لشركات مستثمرة تابعة لمصر.
في المقابل، تؤكد الروايات السودانية أن هذه المناجم تقع بالكامل داخل النطاق الجغرافي والسيادي للسودان، وأن العمال يمارسون نشاطهم التاريخي في هذه الأودية منذ عقود طويلة. وشهدت الأشهر الماضية احتكاكات متكررة على الخط الحدودي؛ حيث اتهم عمال مناجم قوات حرس الحدود المصرية بالقيام بعمليات دهم برية متكررة، وإحراق الآليات التقليدية والمعدات، وتدمير المساكن المؤقتة للمعدنين في محاولة لثنيهم عن التنقيب في تلك المناطق الحيوية القريبة من المربعات التعدينية المصرية الواعدة مثل [منجم إيقات]
تهريب الذهب وتأثير الأمن العسكري على الاستثمار
يمثل الذهب أكثر من نصف صادرات السودان الخارجية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في أن ما بين 48% إلى 60% من هذا الإنتاج الضخم يتم تهريبه عبر قنوات غير رسمية وحدودية موازية. الفوضى الأمنية وغياب الرقابة اللصيقة على الحدود الشمالية والشرقية بسبب انشغال الجيش السوداني بالمعارك الجبهوية ضد قوات الدعم السريع، حولت هذه المناطق إلى نقاط ساخنة للتجارة غير المشروعة وتدفق الأموال خارج الدورة الاقتصادية الرسمية للدولة.
التصعيد العسكري الجوي الأخير في “جبل العقيدات” يبعث برسائل اقتصادية مقلقة لأسواق المعادن والاستثمار في البلدين. فمن جهة، حذر مستثمرون ورجال أعمال، من بينهم رجل الأعمال نجيب ساويرس، من أن استمرار ممارسات التعدين العشوائي والمواجهات المسلحة المرتبطة بـ “الدهّابة” في الصحراء الشرقية والمناطق الحدودية تؤثر سلباً على مناخ الاستثمار العام وتعيق الشراكات العالمية التي تحاول مصر والسودان جذبها لتطوير قطاع التعدين ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي. إن تداخل الجغرافيا السياسية مع “حمى الذهب” على الحدود السودانية المصرية يؤكد أن السيطرة على الثروات الطبيعية باتت محركاً أساسياً لرسم ملامح القوة والنفوذ في المنطقة
