سياسة

صعود سياسي جديد في إيطاليا يثير قلق معسكر اليمين


تستعد إيطاليا لانتخابات عامة حاسمة العام المقبل فيما يبحث اليسار عن شخصية قادرة على مواجهة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

ويبدو أن اليسار الإيطالي المنقسم وجد أخيرا شخصية تمثله هي سيلفيا ساليس التي تتحول بسرعة إلى منافسة محتملة لميلوني.

ووفق مجلة “بوليتيكو” الأمريكية فإن ساليس، وهي رامية المطرقة الأولمبية السابقة، والتي تشغل الآن منصب عمدة جنوة، خطفت اهتمام الرأي العام في وقت سابق من الشهر الجاري عندما استضافت حفلاً ضخماً لموسيقى التكنو في ساحة ماتيوتي بالمدينة الساحلية الشمالية.

وانتشرت صور ساليس وهي تعزف الموسيقى على منصة الـ”دي جي” بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما شكل تباينا واضحاً مع ميلوني، الذي كان أول إجراء اتخذته عند توليها منصبها هو منع الحفلات غير القانونية.

وكان توقيت ظهور ساليس المفاجئ على الساحة السياسية الإيطالية مثالياً فقد جاء بعد الهزيمة القاسية التي منيت بها حكومة ميلوني في الاستفتاء على إصلاحات العدالة في مارس/آذار الماضي مما خلق أملا جديدا لدى أحزاب المعارضة، التي شعرت فجأة بأن لديها فرصة للفوز في الانتخابات العامة المرتقبة قبل نهاية العام المقبل لكن اليسار بحاجة إلى مرشح قادر على الفوز.

وتتحفظ ساليس (40 عاماً) بشأن ما إذا كانت هي المرشحة المناسبة. وقالت لصحيفة “لا ستامبا” اليومية الإيطالية مطلع مارس/آذار الماضي “سأكون كاذبة لو قلت إنني لست مهتمة بخوض غمار السياسة الوطنية يومًا ما” لكنها لاحقا أصبحت أكثر حذرًا إذ تخطط لخطوتها القادمة وسط توقعات عالية على مستوى البلاد.

وفي مقابلة مع مجلة “بوليتيكو”، أشارت ساليس إلى أن متابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي يضغطون عليها “باستمرار” للانتقال إلى الساحة الوطنية لكنها تفضل الانتظار حاليا وقالت “لقد انتخبني سكان جنوة رئيسةً للبلدية، لذا فهم يتوقعون مني القيام بذلك”.

وعلى الرغم من حذرها، إلا أن ساليس بدأت بالفعل في اكتساب زخم ويشير استطلاع رأي أجرته مؤسسة “نوتو” مؤخرًا إلى أن قائمتها المتوقعة ستحظى بنحو 6.5% من الأصوات على المستوى الوطني وهي نسبة لافتة خاصة وأنها لا تنتمي لأي حزب ولم تعلن بعد ترشحها رسميًا.

لكن هذه النتيجة سترفع من نسب تأييد الائتلاف اليساري في إيطاليا إلى 45.5%، ليقترب بذلك من نسب تأييد الائتلاف اليميني الذي يحظى بنسبة 46.8%.

وفي مؤشر واضح على قلق المؤسسات السياسية منها، باتت ساليس هدفا لهجمات شبه يومية من الصحف اليمينية.

وحاليا هناك اسمان قويان في سباق الانتخابات التمهيدية لليسار هما إيلي شلاين، زعيمة الحزب الديمقراطي، وجوزيبي كونتي من حركة الخمس نجوم الشعبوية.

وقالت ساليس إنها لا ترغب في المشاركة في الانتخابات التمهيدية، أو حتى التصويت فيها، مما أثار تكهنات بأن خطتها هي الظهور في اللحظات الأخيرة كمرشحة محتملة للانتخابات.

وترى ساليس أنه بدلاً من الانتخابات التمهيدية يجب اختيار المرشح بالاتفاق بين الأحزاب وردا على سؤال عما إذا كانت تفكر في سابقة حملتها الانتخابية لمنصب رئيسة بلدية جنوة التي وحدت الأحزاب، قالت “نعم، على سبيل المثال”.

وفي مقابلتها مع “بوليتيكو”، أشارت ساليس إلى أنها تمتلك المقومات اللازمة لتوحيد اليسار خاصة وأنها فازت بانتخابات رئاسة بلدية جنوة كمرشحة معتدلة، وحصلت على دعم أحزاب من مختلف أطياف الوسط واليسار.

وقالت “كرياضية، للفوز بأي شيء إقليمي، وطني، أو أوليمبي، عليك تقديم تضحيات.. وينطبق الأمر نفسه على السياسة للفوز وهذا يعني تقديم تنازلات”.

وأصرت على أن غياب الوحدة هو الشيء الوحيد الذي يمنع اليسار من تشكيل تحد حقيقي لميلوني. وأضافت “المسألة لا تتعلق بالقائد، بل بتقديم أنفسكم متحدين، وإيصال رسالة التماسك، ورسالة قوة تقدمية مستعدة للحكم.”

ومثلها مثل ميلوني، تقدم ساليس نفسها كنتاج للحياة الإيطالية اليومية فهي ابنة عامل صيانة ملاعب رياضية، وقالت “لقد نشأت عمليًا في ملعب ألعاب قوى”.

وكانت ساليس بطلة وطنية عشر مرات، وشاركت في الألعاب الأولمبية مرتين، قبل أن تنهي إصابة مسيرتها الرياضية قبيل دورة ألعاب ريو دي جانيرو 2016.

كما كانت نائبة رئيس اللجنة الأولمبية الإيطالية عندما تم اختيارها لمنصب رئيسة البلدية كمرشحة توافقية من خارج الأوساط السياسية

وبعيدًا عن الملاعب، حافظت على لياقتها البدنية على مدار العقد الماضي. فهي تتمتع بعضلات ذراعين قوية، وتمارس رياضة الجري بانتظام.

من جهة أخرى، أثار مظهرها الانتباه والسخرية على حد سواء، حيث سخر منتقدوها من أسلوبها الذي يوحي بأنها مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي كما سخروا من ملابسها الغالية.

وردا على سؤال حول هذه الانتقادات، قالت “كراهية النساء في السياسة حقيقة واقعية”. وأضافت “الحكم على النساء أمر دائم.. كل شيء يتحول من الكفاءة إلى الأمور الشخصية”.

وانتقدت ساليس ما تعتبره إخفاقات حكومة ميلوني في قضايا مثل الأمن والفقر والرعاية الصحية، فضلا عن تحالفها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما انتقدت ما قالت إنه فشل لرئيسة الوزراء في استغلال منصبها لتحقيق مكاسب أوسع للنساء.

وبشكل متزايد، اتجهت ساليس نحو الوسط في سياساتها، مع التركيز على القضايا الرئيسية المتعلقة بالصحة والعمل والأمن والهجرة, وأكدت أنه يتعين على اليسار التركيز على القضايا “العملية والملموسة”.

وفي المنافسة داخل اليسار، قد تعتبر خبرة ساليس السياسية المحدودة نقطة ضعف، لكنها أكدت قدرتها على التكيف ففي النهاية، تولت زمام الأمور في إحدى أهم مدن إيطاليا “بتشكيل فريق كفؤ والتعلم يوماً بعد يوم، كأي شخص في وظيفة جديدة” مشيرة إلى أن الخبرة تأتي بأشكال مختلفة.

ويرى اليسار الإيطالي في ساليس مرشحًا يتمتع بقصة شخصية مؤثرة وخالية من الأعباء السياسية، مما يمكنه من رأب الصدع والتواصل مع الناخبين الشباب لكن من غير المؤكد ما إذا كان ذلك كافيًا لمنافسة ميلوني، أم أنه سيكون مجرد فصل جديد في دورة صعود شخصيات من خارج المؤسسة السياسية ثم اختفائها.

زر الذهاب إلى الأعلى