ليبيا.. مخرجات 4+4 تفتح جولة جديدة من الصراع بين المجلسين
اصطدم مسار حل الأزمة الليبية بعقبة الخلافات الداخلية، فبعد أن فتحت مخرجات اجتماعات لجنة “4+4” مسارات جديدة للتوافق برعاية دولية، أعاد الصراع الداخلي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة الليبية، كل جهود حل الازمة الى نقطة الصفر .
وكشفت حالة الانسداد الحالية، أن التوافقات التي تم التوصل إليها برعاية خارجية تعجز عن الصمود في الشارع السياسي الليبي، خاصة بعد أن تحول بيان التفاهمات الأخير إلى مادة جديدة للنزاع القانوني والمؤسسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ومثّلت التوافقات الأخيرة في لجنة “4+4” الأممية، شرارة صراع جديد حول “الشرعية والجهة المخولة” بتعديل القوانين الانتخابية؛ إذ يصر المجلس الأعلى للدولة على أن أي تعديلات جوهرية يجب أن تمر عبر مسار تشاركي بين الطرفين (مجلس النواب ومجلس الدولة) استناداً إلى التعديل الدستوري الثالث عشر ومخرجات لجنة “6+6” ذات الأساس الدستوري المُحصّن.
وفي المقابل، يستند مجلس النواب إلى صلاحياته الأصيلة ومخرجات اتفاق “4+4” باعتباره إطاراً حاسماً لإقرار القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، مما أوجد حالة من التصادم الصريح حول شرعية المسارات السياسية المعمول بها وما تسفر عنه من نتائج.
ولم تتوقف مسارات الخلاف عند شكل الإطار التشريعي، بل امتدت لتفجر الملف الأكثر حساسيات والمتعلق بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية.
فبينما أبقت التوافقات الجديدة على السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح مع اشتراط التخلي عن الجنسية الأجنبية حال الفوز وقبل أداء اليمين، يرى مجلس الدولة في ذلك التفافاً ينطوي على مخاطر دستورية وسياسية.
ويبقى موضوع تزامن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ، على الرغم من التوافق الظاهري حول إجرائها في مدة لا تتجاوز 24 شهراً بحسب اتفاق 30 أغسطس، محل نزاع عميق حول طبيعة البيئة التشريعية والمؤسسية الهجينة التي ستجرى في ظلها.
وفي سياق التجاذب المؤسسي ذاته، برز ملف إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كإحدى أوراق النزاع؛ حيث نص اتفاق “4+4” على إعادة تشكيل مجلس المفوضية لضمان حيادها، لكن مجلس الدولة يشترط استكمال المسار القانوني والتوافق على المناصب السيادية قبل إعطاء هذه القرارات صبغة الإلزام.
ويرافق ذلك غضب واسع جراء إقرار مجلس النواب قانوناً يعيد العمل بالقانون رقم (10) لسنة 2014 وتجميد قانون “مجلس الأمة” رقم (27) لسنة 2023 حتى اعتماد الدستور الدائم، وهو ما تم اعتباره خطوة أحادية تمس بشكل المؤسسة التشريعية المقبلة وصلاحياتها في المرحلة الانتقالية.
وعلى الصعيد التنفيذي والقضائي، تبرز معضلة الإشراف على المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات؛ إذ تُجمع خارطة الطريق والمسارات السياسية على استحالة إجراء انتخابات نزيهة ومقبولة النتائج في ظل وجود حكومتين وانقسام أمني حاد، ما يتطلب توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية أولاً.
غير أن هذا الشرط يتحول بدوره إلى عقبة إضافية في ظل تحذيرات المجلس الأعلى للدولة من أن القانون رقم (4) الصادر عن البرلمان يفتقر إلى المرجعية الدستورية، مؤكداً أن التمادي في فرض قواعد غير متوافق عليها سيفتح الباب أمام الطعون القضائية ويشكك مستقبلاً في شرعية أي عملية انتخابية أو نتائج متمخضة عنها. وأمام هذا الانقسام، تباينت ردود الفعل الصادرة عن القوى الفاعلة على الصعيدين المحلي والدولي، إذ تتعامل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والقوى الدولية الكبرى مع هذه التطورات بحذر واضح مع محاولة الضغط.
ففي حين ترحب بالجهود الداعية لسد الفراغ التنفيذي وتوحيد الأطر القانونية، تؤكد في الوقت ذاته على ضرورة صياغة توافق وطني عريض يمنع تجدد النزاعات المسلحة ويضمن قبول
جميع الأطراف الميدانية والسياسية بفرز صندوق الاقتراع.
وعلى المستوى الداخلي، ينظر مجلس النواب إلى مخرجات “4+4” كأمر واقع ومكسب سياسي يجب البناء عليه لإعادة ترتيب البيت الداخلي وإزاحة الأجسام الموازية، وفي المقابل، يتعامل المجلس الأعلى للدولة مع التفاهمات كاستئناس سياسي غير ملزم ما لم يمر عبر المسارات التشريعية المتعارف عليها.
أما باقي القوى الميدانية والسياسية ، فتتحرك مواقفهم بين الترحيب بشرط توحيد السلطة التنفيذية، وبين التوجس من إعادة توزيع النفوذ واشتراط ضمانات أمنية وسياسية واضحة قبل العبور إلى المرحلة المقبلة.
