سياسة

من اليمن إلى أوكرانيا.. الذكاء الاصطناعي يدخل سباق تطوير الأسلحة


كشفت شركة “أنثروبيك” الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي أن مطورين روسا استخدموا نموذجها “كلود” لتطوير برمجيات لسرب من المسيّرات الانتحارية القادرة على اختيار أهدافها والتنسيق في ما بينها وتنفيذ الهجوم من دون تدخل بشري مباشر، في تطور يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة في الحرب إلى عنصر محتمل في اتخاذ قرارات القتل.

وقالت الشركة في تقرير استخباراتي نشرته هذا الأسبوع إن مجموعة من المطورين المستقلين في روسيا بدأت في مايو 2026 مشروعاً أطلقت عليه اسمي “درون دوك” و”سيرافيم”، بهدف بناء منظومة كاملة من المسيّرات الهجومية من طراز “إف بي في”، وهي مسيّرات صغيرة يقودها عادة مشغل بشري عبر كاميرا مثبتة عليها.

وبحسب “أنثروبيك”، استخدم المطورون أداة “كلود كود” لكتابة البرمجيات واختبارها، إلى جانب بيئة محاكاة حاسوبية وخوادم مزودة بمعالجات رسومية مستأجرة لتدريب النماذج.

ولم يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على كتابة أجزاء من الكود، بل ساعد في بناء المكونات الأساسية للمنظومة، بينها ذاكرة مشتركة للسرب ومنظومة لتنسيق تحركات المسيّرات عند حدوث أعطال، ونموذج لغوي صغير مثبت على متن الطائرة لإدارة وظائف الهجوم والمراقبة والعودة إلى القاعدة.

كما طور الفريق نظاماً للتوجيه في المرحلة النهائية من الهجوم، يستخدم الكاميرا المثبتة على المسيّرة لتوجيهها نحو الهدف وإصدار أمر التفجير، إضافة إلى نظام لتحديد مواقع مشغلي المسيّرات المعادية ونظام للرصد الصوتي وبرمجيات منخفضة المستوى للتحكم في الشرائح الإلكترونية للطائرات.

والأكثر حساسية أن “أنثروبيك” قالت إن المطورين صمموا المنظومة بحيث تكون قادرة على تنفيذ اشتباك قاتل بصورة مستقلة.

وكان النموذج المثبت على المسيّرة قادراً، وفق التقرير، على اختيار الأهداف، بما في ذلك فئة مصنفة على أنها “شخص”، ثم إصدار أمر التفجير من دون وجود إنسان داخل الحلقة لاتخاذ القرار النهائي.

ولم يكن المشروع افتراضياً بالكامل. فقد قامت المجموعة بتحميل البرمجيات على لوحات إلكترونية حقيقية وتجهيز حواسيب أحادية اللوحة وربطها ببيئة محاكاة عبر شبكة، في ما وصفته “أنثروبيك” باختبارات حقيقية ضمن منظومة تجمع بين البرمجيات والمكونات المادية.

كما درب المطورون نظام الرؤية الحاسوبية باستخدام مقاطع مصورة من المعارك في أوكرانيا، وصنفوا الأهداف إلى “عدو” و”صديق”، مع إدراج الأنظمة الروسية ضمن قائمة الأهداف المستثناة من الهجوم. واستخدموا بصورة متكررة إحداثيات ثابتة في منطقة دونيتسك كنقطة تجريبية، إضافة إلى مدن وممرات تقع في مناطق مرتبطة بالجبهة.

لكن التقرير يضع حدوداً مهمة لهذه النتائج. فـ”أنثروبيك” تصف المجموعة بأنها مجموعة من المطورين المستقلين، وليس كياناً تابعاً للدولة الروسية، ولم تتمكن من التحقق من ادعاءات أفرادها بأنهم تلقوا تمويلا من مؤسسات روسية رسمية للبحث والدفاع.

كما قدرت الشركة مستوى نضج الأنظمة التي طورتها المجموعة بين 3 و4 على مقياس الجاهزية التكنولوجية، ما يعني أنها بلغت مرحلة التحقق في المحاكاة والاختبارات، وليس بالضرورة مرحلة التشغيل العسكري الكامل.

ومع ذلك، اعتبرت صحيفة “غارديان” أن القضية تكشف تحولاً مهماً في طبيعة الحرب في أوكرانيا، حيث تتزايد قدرة الأنظمة غير المأهولة على تنفيذ مهام كانت تتطلب سابقاً تدخلاً بشرياً مستمراً.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على روسيا. فقد كشفت “أنثروبيك” في التقرير نفسه عن حالات أخرى لاستخدام “كلود” في تطوير تقنيات عسكرية.

وفي شمال اليمن، استخدمت مجموعة مرتبطة بمنطقة يسيطر عليها الحوثيون النموذج لتطوير برمجيات توجيه لصاروخ موجه، والعمل على أنظمة صاروخية أكثر تقدماً، بينها تصميمات لصواريخ بالستية وصواريخ أسرع من الصوت.

وأجرت المجموعة اختباراً ميدانياً لصاروخ موجه، لكنه فشل، قبل أن تعود إلى النموذج لتحليل أسباب الإخفاق. وقالت الشركة إنها أوقفت الحسابات المرتبطة بهذه الأنشطة.

وفي الصين، رصدت “أنثروبيك” استخدام “كلود” في تطوير برمجيات للحرب الإلكترونية وقمع الدفاعات الجوية، فضلاً عن إعداد تصور لنظام مضاد للطوربيدات وجمع معلومات عن أسلحة تعمل بالطاقة الموجهة وسلاسل توريدها.

وتشير هذه الحالات إلى تحول أوسع في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري. فبدلاً من اقتصار دوره على تحليل المعلومات أو مساعدة المهندسين في كتابة البرمجيات، أصبح قادراً على المساعدة في سلسلة أطول تشمل التصميم والمحاكاة والاختبار وتطوير أنظمة التوجيه والاستهداف.

وفي تقييم منفصل نشرته “أنثروبيك”، قالت الشركة إن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة في بعض مهام الاستخبارات والاستهداف وتطوير الأسلحة التقليدية على إنجاز أعمال كانت تتطلب تاريخياً مجموعة من الخبراء ذوي التدريب المتخصص. وشملت الاختبارات محاكاة مهام تتعلق بتحديد مواقع أشخاص انطلاقاً من معلومات متناثرة وتصميم مسيّرات قادرة على إصابة أهداف متحركة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتسارع فيه المنافسة على إدخال الأنظمة الذاتية إلى ساحات القتال. فقد قال الجنرال الأميركي السابق ديفيد بترايوس، وفق “تايمز”، إن سباق تطوير أسراب من المسيّرات التي يمكنها العمل بصورة مستقلة قد يصبح عاملاً حاسماً في الحرب الأوكرانية، مشيراً إلى أن كثافة هذه الأسراب وتنسيقها يمكن أن يجعل اعتراضها أكثر صعوبة.

وفي سبتمبر/ايلول، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من التقارير المتعلقة باستخدام روسيا مسيّرات ذاتية بالكامل في أوكرانيا، ودعا إلى حظر الأسلحة الفتاكة القادرة على قتل البشر من دون تدخل إنساني. وأكد تورك أن الذكاء الاصطناعي المتقدم قد يشكل خطراً وجودياً إذا لم توضع له ضمانات دولية قوية.

ويشير تقرير “أنثروبيك” إلى أن الشركة أوقفت الحسابات المرتبطة بالأنشطة العسكرية غير المسموح بها، وشددت أنظمة المراقبة والحماية لديها، فيما تعمل على تطوير أدوات لاكتشاف محاولات استخدام نماذجها في تطوير الأسلحة.

وتضع القضية في الواجهة مجددا سؤال يتجاوز الحرب الأوكرانية: ماذا يحدث عندما يصبح بالإمكان منح نظام آلي القدرة على التعرف إلى هدف واختياره وملاحقته ثم قتله، من دون أن يتخذ إنسان القرار النهائي؟

فالمشكلة لم تعد فقط في امتلاك المسيّرات أو الذكاء الاصطناعي، بل في انتقال جزء من قرار استخدام القوة المميتة من الإنسان إلى الخوارزمية، في وقت لم تتفق فيه الدول بعد على قواعد دولية واضحة تحدد الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها هذه التكنولوجيا.

زر الذهاب إلى الأعلى