من بندر عباس إلى بورتسودان.. رحلات الشحن الإيرانية تفتح نافذة على شبكة الإمداد العسكري في السودان
لم تعد الحرب السودانية، التي اندلعت في 15 أبريل 2023، قابلة للفهم من خلال خطوط المواجهة العسكرية وحدها، بعدما أظهرت التحركات الجوية والتحولات التي شهدتها بعض المطارات الإقليمية أن الصراع يتجاوز جغرافيا المعارك إلى مسارات أوسع لنقل المعدات والإمدادات. فبين المطارات الواقعة على ساحل البحر الأحمر والمنشآت الجوية في الشرق الأوسط، تتجمع مؤشرات تستحق الفحص حول طبيعة الدعم اللوجستي الذي ساعد أطراف الحرب على مواصلة عملياتها، وحول الدور الذي أدته حركة الطيران في ربط ساحات القتال بمصادر الإمداد خارج السودان.
في هذا السياق، تبرز مدينة بورتسودان بوصفها إحدى أهم النقاط التي تتقاطع عندها حركة الطيران مع التحولات السياسية والعسكرية التي عرفتها البلاد منذ بداية الحرب. فقد انتقلت إليها مؤسسات السلطة المرتبطة بالجيش بعد تعذر إدارة شؤون الدولة من الخرطوم، وتحول مطارها تدريجياً إلى نقطة مركزية في التحقيقات المتعلقة بوصول طائرات شحن أجنبية، ولا سيما الرحلات التي ربطتها تحقيقات استقصائية بمسارات إيرانية. ولا يعني ذلك أن كل رحلة وصلت إلى المطار كانت عسكرية، أو أن طبيعة حمولات جميع الطائرات أصبحت معروفة، لكنه يضع الحركة الجوية ضمن سياق أوسع يسمح بطرح أسئلة دقيقة عن مصادر الإمداد وآليات نقله.
طائرة محددة تفتح باب التحقيق
تقدم الطائرة Boeing 747-281F، التي تحمل التسجيل EP-FAB وتعمل لصالح شركة Fars Air Qeshm الإيرانية، واحدة من أكثر الوقائع تحديداً في هذا الملف. فوفق ما نشرته منصة «إيكاد»، رُصدت الطائرة في مطار بورتسودان يوم 7 ديسمبر 2023، ثم ظهرت مجدداً في 16 يناير 2024. وتكتسب الواقعة أهميتها من اجتماع أكثر من مؤشر قابل للفحص، بينها نوع الطائرة ورقم تسجيلها والجهة المشغلة لها وتوقيت ظهورها، إضافة إلى صورة فضائية قالت المنصة إنها التقطت للطائرة داخل المطار في يناير 2024، مع فتح بوابة الشحن الأمامية.
إن وجود طائرة شحن في مطار لا يكفي وحده لإثبات طبيعة الحمولة التي نقلتها، كما أن فتح بوابة الشحن لا يحدد محتويات الطائرة بصورة مستقلة. لكن الجمع بين بيانات الحركة الجوية والصور الفضائية والتوقيتات المتقاربة يتيح بناء فرضية استقصائية أكثر تحديداً من مجرد الإشارة إلى رحلات مجهولة. وقد ربطت «إيكاد» هذه الحركة بوصول مسيّرات إيرانية إلى السودان، من بينها طائرات «مهاجر-6»، مع بقاء تحديد كل قطعة من المعدات التي حملتها الطائرة أمراً لا يمكن حسمه من الصورة الفضائية وحدها.
وتكشف هذه النقطة أهمية الفصل بين ما يمكن مشاهدته وما يمكن استنتاجه. فالصورة الفضائية قد تثبت وجود طائرة في موقع محدد بتاريخ معين، وبيانات تتبع الرحلات قد تساعد في إعادة بناء مسارها، بينما يتطلب تحديد الحمولة أدلة إضافية، مثل وثائق الشحن أو معلومات مستقلة عن عملية التفريغ أو شهادات موثوقة يمكن التحقق منها. وكلما اجتمعت هذه الأنواع من الأدلة، ازدادت قوة الاستنتاج بشأن طبيعة المهمة التي نفذتها الطائرة.
منظومة شحن مرتبطة بالعقوبات الأمريكية
لا تنفصل أهمية EP-FAB عن خلفية الشركة التي تشغلها. فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة Fars Air Qeshm في يناير 2019، في إطار اتهامات تتعلق باستخدام طائراتها في نقل شحنات لصالح الحرس الثوري الإيراني. كما شملت الإجراءات الأمريكية طائرتين تابعتين للشركة، من بينهما الطائرة التي ظهر تسجيلها لاحقاً في التحقيقات المتعلقة بالسودان.
وتوفر هذه الخلفية سياقاً مهماً لفهم سبب إخضاع رحلات الشركة للتدقيق، لكنها لا تشكل، بمفردها، دليلاً على طبيعة كل رحلة لاحقة أو محتوياتها. فالعقوبات الأمريكية تعكس موقفاً رسمياً من أنشطة الشركة استناداً إلى المعلومات التي بنت عليها واشنطن قرارها، بينما يحتاج إثبات مهمة عسكرية بعينها إلى ربط مستقل بين الطائرة ومسار الرحلة والوجهة والحمولة.
وبحسب المعلومات التي استندت إليها تقارير بحثية عن حركة الطائرة، انطلقت رحلاتها الأولى المرتبطة بالمسار السوداني من مطار بندر عباس الإيراني، قبل وصولها إلى بورتسودان. وتشير المواد التي أوردها التحقيق إلى توثيق سبع رحلات شحن عسكري مؤكدة على الأقل بين ديسمبر 2023 ويوليو 2024، إلى جانب رحلتين إضافيتين وُصفتا بأنهما شديدتا الاحتمال، بعدما انقطعت إشارات التتبع قبيل الهبوط.
ويظل وصف الرحلات بأنها مؤكدة أو مرجحة مرتبطاً بمعايير التوثيق التي اعتمدتها الجهات التي جمعت البيانات، وهو ما يستدعي إظهار هذه المعايير عند نشر أي حصيلة نهائية. فتعطل أجهزة الإرسال أو إطفاؤها قد يصعّب إعادة بناء المسار، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود شحنة عسكرية. وفي المقابل، فإن تكرار الرحلات بين نقاط محددة، وتزامنها مع مؤشرات أخرى، يمكن أن يمنح المحققين أساساً أقوى لفهم طبيعة الحركة.
استمرار النشاط بعد انكشاف المسار
لا تقف أهمية الملف عند الرحلات التي رُصدت في المرحلة الأولى من الحرب. فالتقارير التي تناولت الطائرة لاحقاً أشارت إلى استمرار استخدامها في مهمات أخرى مرتبطة ببورتسودان بعد عام 2024، وهو ما يفتح سؤالاً عن قدرة شبكات الإمداد الجوي على مواصلة نشاطها رغم انكشاف بعض تفاصيلها في التحقيقات الإعلامية والبحثية.
وفي هذا الإطار، نقلت تقارير لاحقة، من بينها ما نُسب إلى وكالة بلومبرغ، معلومات عن مهمات أسلحة إضافية للطائرة نفسها إلى السودان. كما أوردت المادة الاستقصائية رصداً للطائرة في أغسطس 2026، عندما وصلت إلى مينسك، عاصمة بيلاروسيا، ثم حلقت لساعات فوق الأراضي الروسية قبل عودتها إلى إيران. وتوسع هذه الوقائع نطاق الاهتمام بالطائرة، لكنها لا تثبت وحدها وجود صلة مباشرة بين كل تحركاتها الخارجية والإمدادات العسكرية للسودان.
وتكمن القيمة الصحفية في تتبع الطائرة ذاتها عبر فترة زمنية ممتدة، بدلاً من التعامل مع كل رحلة باعتبارها واقعة منفصلة. فتكرار ظهور التسجيل نفسه في مطارات مختلفة يسمح بمقارنة المسارات والتوقيتات، والبحث عن أنماط متكررة قد لا تظهر عند فحص رحلة واحدة. ومع ذلك، يتطلب هذا النوع من التحليل تجنب الخلط بين سجل الطائرة العام والمهام التي أمكن ربطها بأدلة محددة.
المطار نفسه جزء من القصة
إلى جانب حركة الطائرات، وثقت «إيكاد» أعمال توسعة وتطوير في مطار بورتسودان، شملت إنشاء ساحة جديدة قُدرت مساحتها بنحو 50 ألف متر مربع، وتوسعة ساحة فرعية من نحو 25 ألف متر مربع إلى قرابة 38 ألف متر مربع. وتمثل هذه التغيرات مؤشرات مادية يمكن مقارنتها زمنياً بالصور الفضائية السابقة واللاحقة، بما يساعد على فهم تطور القدرة التشغيلية للمطار خلال الحرب.
لكن التوسع في ساحات الطائرات لا يثبت وحده أن المنشأة تحولت إلى قاعدة عسكرية، كما لا يحدد نوع الشحنات التي استقبلتها. وتظهر أهمية هذه الأعمال عندما تُقرأ إلى جانب حركة الطيران الموثقة، وتوقيت وصول الطائرات، وتكرار الرحلات، وأي معلومات مستقلة عن عمليات التفريغ أو طبيعة الشحنات. فالأدلة المتقاطعة هي التي تتيح الانتقال من مجرد رصد التغير العمراني إلى تفسير وظيفته المحتملة.
ومن هنا، فإن بورتسودان لا تظهر في التحقيقات بوصفها نقطة وصول جغرافية فحسب، بل منشأة تغيرت أهميتها مع تغير ظروف الحرب. وقد أسهم انتقال مؤسسات السلطة إليها في زيادة مركزيتها، بينما جعلت الرحلات الخارجية وأعمال التطوير الموثقة المطار موضوعاً أساسياً في دراسة المسارات التي يمكن أن تصل عبرها المعدات إلى مناطق سيطرة الجيش.
من الرصد إلى فهم شبكة الإمداد
إن السؤال الأساسي الذي يطرحه هذا الملف لا يتعلق بطائرة واحدة، بل بالمنظومة التي تسمح بتكرار الرحلات وربط مصادر الإمداد بالمطارات السودانية. فكل طائرة موثقة تمثل نقطة في سلسلة أوسع، تبدأ من مطار المغادرة، وتمر بمسارات العبور، وتنتهي عند نقطة الوصول، بينما تظل طبيعة الحمولة ومستلموها النهائيون بحاجة إلى توثيق مستقل كلما غابت الأدلة المباشرة.
وتزداد أهمية هذا السؤال في حرب طويلة تستنزف كميات كبيرة من الذخائر والمعدات وقطع الغيار، إذ لا يمكن استمرار العمليات العسكرية اعتماداً على الخطوط الأمامية وحدها. فهناك حاجة دائمة إلى النقل والصيانة والتخزين وإعادة توزيع الموارد، وهي وظائف تجعل المطارات وشركات الشحن والمسارات الجوية جزءاً من البنية اللوجستية للحرب، حتى عندما لا تكشف البيانات المتاحة عن تفاصيل كل عملية.
ولا تسمح الأدلة الواردة في هذه المادة بتقديم تقدير نهائي لكمية الأسلحة التي وصلت إلى السودان أو قيمتها المالية الإجمالية. فعدد الرحلات لا يساوي عدد الشحنات العسكرية بالضرورة، كما أن اختلاف أنواع الطائرات وسعاتها يجعل تحويل أعداد الرحلات إلى أوزان أو أعداد محددة من الأسلحة عملية تحتاج إلى بيانات إضافية. لكن الرصد المتراكم يقدم أساساً لفهم اتجاهات الحركة الجوية، ويكشف عن ضرورة تتبع الطائرات والمسارات والمطارات ضمن إطار واحد.
في المحصلة، تكشف رحلة EP-FAB من بندر عباس إلى بورتسودان كيف يمكن لتفصيل تقني، مثل رقم تسجيل طائرة شحن، أن يفتح نافذة على ملف أوسع يتداخل فيه الأمن الإقليمي مع استمرار الحرب السودانية. وبين الصور الفضائية وبيانات التتبع وسجلات العقوبات والتقارير البحثية، تتشكل صورة تستحق مزيداً من التحقيق، من دون أن تلغي الحاجة إلى التحقق المستقل من الحمولة والجهات المستفيدة والمسؤوليات النهائية. ففهم الإمداد الجوي لا يبدأ بإطلاق الأحكام، بل بتجميع الأدلة ومقارنتها، ثم تحديد ما تثبته فعلاً وما لا تزال بحاجة إلى إثبات.
