من طهران إلى الحوثيين.. كيف تحوّل الدعم العسكري للجيش السوداني إلى شبكة إمداد ونقل خبرات؟
لم تعد العلاقة العسكرية بين إيران والجيش السوداني تقتصر على توريد الأسلحة والطائرات المسيّرة، إذ تشير دراسة أمريكية حديثة إلى دخول جماعة الحوثي اليمنية على خط هذه العلاقة، في تطور قد يعكس انتقال الدعم من مجرد إمدادات عسكرية إلى نقل التكنولوجيا والخبرات اللازمة لتصنيع الأسلحة محليًا.
الدراسة، التي نشرتها مؤسسة «ذا سنتشري فاونديشن» الأمريكية تحت عنوان «من حلقة هامشية إلى مركز: الحوثيون في أفريقيا»، ترصد تنامي الدور الإيراني في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، وتتناول ما تصفه بشبكة متزايدة التعقيد تربط طهران بفصائل داخل الجيش السوداني، مرورًا بالحوثيين.
عودة إيران إلى السودان
بحسب الدراسة، دفعت حاجة الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، إلى الأسلحة والطائرات المسيّرة خلال الحرب، إلى إعادة العلاقات بين الخرطوم وطهران عام 2023.
ومع استئناف العلاقات، بدأت إيران، وفق المعطيات التي أوردتها المؤسسة، في تزويد الجيش السوداني بطائرات مسيّرة من طراز «مهاجر-6»، إلى جانب الذخائر وأنظمة الرادار.
كما تتحدث الدراسة عن انتشار عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب فصائل متحالفة مع الجيش السوداني، لتقديم التدريب والمساعدة في تشغيل بعض الأنظمة العسكرية.
وتربط الدراسة بين هذا الدعم وبين التحولات الميدانية التي شهدتها الحرب، مشيرة إلى أن الطائرات المسيّرة الإيرانية لعبت دورًا مهمًا في العمليات التي مكّنت الجيش السوداني من استعادة أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم خلال عام 2025.
صلة بإسلاميي السودان
لكن الجانب الأكثر إثارة في الدراسة يتعلق بالجهة التي استفادت، بحسبها، من هذا الدعم داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
وتقول المؤسسة إن الدعم الإيراني وُجّه بصورة أساسية عبر فصيل داخل الجيش مرتبط بالحركة الإسلامية السودانية، وهي المنظومة السياسية والأمنية التي ارتبطت بنظام الرئيس السابق عمر البشير، الذي أُطيح به في عام 2019.
ووفق الدراسة، احتفظت شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي بمواقع مؤثرة داخل القوات المسلحة حتى بعد سقوط البشير، ومن بينها ميرغني إدريس سليمان، الذي يرأس شركة الصناعات الدفاعية الحكومية المسؤولة عن إنتاج الأسلحة.
وتضيف أن هذا الفصيل لعب دورًا في توجيه الدعم إلى عدد من الألوية والقوات المتطوعة التي تقاتل إلى جانب الجيش، ومن أبرزها لواء البراء بن مالك.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عقوبات على ميرغني إدريس سليمان، على خلفية دوره في عمليات شراء أسلحة للجيش السوداني، بينها أسلحة من إيران.
كما فرضت واشنطن، في سبتمبر/أيلول 2025، عقوبات على لواء البراء بن مالك، مشيرة إلى صلاته بإيران.
الحوثيون يدخلون المشهد
بحلول منتصف عام 2024، تقول الدراسة إن جماعة الحوثي دخلت على خط هذه الشبكة باعتبارها شريكًا لإيران.
وتشير المعطيات التي أوردتها المؤسسة إلى أن الحوثيين نقلوا ما لا يقل عن ثلاث شحنات من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش السوداني، نيابة عن طهران.
لكن الدور الحوثي، بحسب الدراسة، لم يتوقف عند نقل الأسلحة.
فقد تحدثت مصادر للباحثين عن وجود عناصر حوثية في مدينة بورتسودان، التي تحولت إلى مركز مهم للعمليات اللوجستية والمالية للجيش السوداني، مع تحرك الأسلحة والأفراد في الاتجاهين عبر البحر الأحمر.
وتقول المؤسسة إن تقييمها استند إلى مجموعة من الأدلة، من بينها بيانات حركة السفن، وصور الأقمار الصناعية، وأدوات الرصد عن بعد، فضلًا عن مقابلات مع مسؤولين أمنيين يمنيين وإقليميين.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع المعلومات المتعلقة بالوجود الحوثي داخل السودان.
من نقل السلاح إلى نقل التكنولوجيا
وترى الدراسة أن أهمية العلاقة بين الحوثيين والفصائل المتحالفة مع الجيش السوداني قد لا تكمن فقط في عمليات نقل الأسلحة، وإنما في نقل المعرفة والخبرة العسكرية والتكنولوجية.
وبحسب مصادر نقلت عنها المؤسسة، أرسل الحوثيون مهندسين وعناصر عسكرية من ذوي الخبرة إلى السودان، للمساعدة في تدريب قوات سودانية، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، على استخدام وتصنيع أنظمة الطائرات المسيّرة الإيرانية.
وهنا تبرز، بحسب الدراسة، نقطة تحول محتملة في طبيعة العلاقة.
فإذا كان الدعم في بدايته قائمًا على تسليم أسلحة جاهزة، فإن نقل الخبرات التقنية قد يسمح للفصائل السودانية بالانتقال تدريجيًا إلى مرحلة التجميع والتصنيع المحلي.
«سفاروغ».. الحلقة الأكثر إثارة
في يوليو/تموز 2025، كشفت مؤسسة الصناعات العسكرية السودانية عن طائرة مسيّرة قالت إنها مصنّعة محليًا، وأطلقت عليها اسم «سفاروغ».
وتشير الدراسة الأمريكية إلى أن هذه الطائرة تشبه بدرجة كبيرة الطائرة الإيرانية «أبابيل-تي»، وهي طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى ذات اتجاه واحد.
وتقول المؤسسة إن «أبابيل-تي» تدخل أيضًا ضمن منظومة الطائرات التي يمتلك الحوثيون خبرة في إنتاجها داخل اليمن، حيث ينتجون نسخة منها تحت اسم «قاصف-2K».
وأجرى الباحثون مقارنة بين «سفاروغ» و«أبابيل-تي»، خلصوا، بحسب الدراسة، إلى وجود تشابه كبير في الشكل والأبعاد وترتيب المحرك وطريقة التصنيع.
كما رأى خبراء أسلحة استشارتهم المؤسسة أن «سفاروغ» من المرجح أن تكون نسخة من «أبابيل-تي».
وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة، لأن إنتاج هذا النوع من الطائرات يمثل، وفق الدراسة، أحد المجالات التي اكتسب فيها الحوثيون خبرة صناعية وعسكرية خلال السنوات الماضية.
هل انتقلت العلاقة إلى مرحلة الإنتاج؟
وترى الدراسة أن ظهور «سفاروغ» قد يكون مؤشرًا على تطور طبيعة التعاون بين الأطراف الثلاثة.
فبدلًا من الاكتفاء بتلقي الأسلحة الإيرانية، تشير المعطيات إلى أن فصائل سودانية بدأت بتجميع أو تصنيع طائرات مسيّرة محليًا، وهو ما قد يعني انتقال العلاقة من مرحلة استيراد السلاح إلى مرحلة اكتساب القدرة على إنتاجه.
وتذهب الدراسة إلى أن هذه التطورات تمثل دليلًا قويًا، من وجهة نظرها، على وجود شبكة توريد مرتبطة بالحوثيين تعمل داخل السودان، وليس مجرد عمليات توريد مباشرة من إيران.
وبذلك، فإن المسألة لا تتعلق فقط بوصول طائرات مسيّرة أو شحنات أسلحة إلى السودان، وإنما باحتمال انتقال المعرفة العسكرية والتقنية نفسها.
فإذا صحت المعلومات المتعلقة بتدريب عناصر سودانية على تصنيع الطائرات المسيّرة، فإن العلاقة بين إيران والجيش السوداني، عبر الحوثيين، تكون قد دخلت مرحلة مختلفة: من توريد السلاح إلى نقل القدرة على إنتاجه.
وهذا التطور، إذا تأكدت تفاصيله بصورة مستقلة، قد يضيف بُعدًا جديدًا إلى خريطة النفوذ الإيراني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويجعل السودان جزءًا من شبكة إقليمية تتجاوز حدود نقل الأسلحة إلى بناء قدرات عسكرية محلية.
