سياسة

منصات طائرة.. المناطيد تدخل عصر المسيّرات


تشهد التقنيات العسكرية تحولاً متسارعاً مع بروز مفهوم جديد يعتمد على تحويل المناطيد إلى منصات إطلاق طائرات مسيرة.

ووفق تقارير صحفية، فإن هذه خطوة قد تعيد صياغة أساليب الاستطلاع والعمليات القتالية خلال السنوات المقبلة. 

ويقوم هذا التصور على نشر مناطيد عالية الارتفاع قادرة على حمل طائرات بدون طيار وإطلاقها فوق مناطق العمليات، بما يتيح إنشاء منظومة مراقبة واتصالات مستمرة تمتد لأيام أو حتى أسابيع، مع تقليل الحاجة إلى القواعد الجوية التقليدية أو المنصات المأهولة مرتفعة التكلفة.

وبحسب تقرير لموقع تايم وور زون، تقود شركة “إيروستار” الأمريكية هذا التوجه عبر تطوير منظومات تجمع بين المناطيد والطائرات المسيّرة في شبكة واحدة، حيث نجحت في اختبار منطاد “لايتنينغ” كمنصة لإطلاق طائرة استطلاع من طراز “أبولو-آر”، وهو إنجاز يمثل الخطوة الأولى نحو تطوير منصات أكبر وأكثر قدرة. 

وتخطط الشركة مستقبلاً لتشغيل منطاد “ثاندرهيد”، الذي صُمم لحمل عدة طائرات مسيّرة أو تجهيزات مختلفة في وقت واحد، بما يسمح بتنفيذ مهام استطلاع واتصالات ومراقبة متعددة انطلاقاً من منصة جوية واحدة.

المناطيد تعيد رسم مستقبل الحروب.. منصات لإطلاق المسيرات - صورة 1

قدرات فنية تفوق التصور التقليدي

وتعتمد هذه المناطيد على أنظمة ملاحة متطورة مرتبطة بالأقمار الصناعية، تمكنها من الحفاظ على وجودها فوق المناطق المطلوبة رغم تغير اتجاهات الرياح، من خلال تعديل ارتفاعها داخل طبقة “الستراتوسفير”، وهي الطبقة الثانية من طبقات الغلاف الجوي للأرض.

ويستطيع منطاد “لايتنينغ” التحليق لمدة تصل إلى ثلاثة أيام على ارتفاع يتراوح بين 50 و78 ألف قدم مع حمل حمولة تصل إلى 45 رطلاً، بينما يوفر منطاد “ثاندرهيد” أداءً أكثر تطوراً، إذ يستطيع البقاء في الجو لمدة تتجاوز 60 يوماً، مع حمل ما يصل إلى 200 رطل على ارتفاعات مماثلة، وهو ما يمنحه قدرة على توفير حضور جوي مستمر يصعب تحقيقه بالوسائل التقليدية.

أما الطائرة المسيّرة “أبولو-آر”، فهي طائرة شراعية تعمل بالطاقة الشمسية ومصممة خصيصاً للرحلات الطويلة على الارتفاعات العالية. وبعد انفصالها عن المنطاد، تواصل الطيران اعتماداً على قدراتها الذاتية قبل أن تهبط في موقع محدد لاستعادتها وإعادة استخدامها، ما يجعلها خياراً اقتصادياً لمهام الاستطلاع والمراقبة والاستهداف. 

ووفقاً لمسؤولي الشركة، فإن تكلفة الطائرة، التي تتراوح بين 100 و200 ألف دولار، تجعل استخدامها في بعض المهام أحادية الاتجاه خياراً عملياً مقارنة بالمنصات الجوية التقليدية الأعلى تكلفة.

البالونات كأبراج اتصالات

لا تقتصر أهمية هذه المناطيد على دورها كمنصات إطلاق، بل تتحول أيضاً إلى مراكز اتصالات جوية شاهقة الارتفاع. 

فبفضل أجهزة الراديو الشبكية المثبتة عليها، يمكنها إنشاء روابط بيانات عالية السعة يتجاوز مداها 160 كيلومتراً وبسرعات تصل إلى 40 ميغابت في الثانية، الأمر الذي يجعلها أشبه بأبراج اتصالات عائمة في الستراتوسفير، قادرة على توسيع نطاق عمل الطائرات المسيّرة وتوفير اتصال مستمر يتجاوز الحدود التي تفرضها الشبكات الأرضية التقليدية، وفق التقرير. 

المناطيد تعيد رسم مستقبل الحروب.. منصات لإطلاق المسيرات - صورة 2

وتمنح هذه المنظومة الوحدات العسكرية مرونة تشغيلية كبيرة، إذ يمكن إطلاق المناطيد بواسطة فرق صغيرة ومن أي موقع تقريباً، دون الحاجة إلى مدارج طيران أو بنية تحتية ثابتة.

كما أن عملها على ارتفاعات شاهقة يضعها خارج نطاق معظم أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، ما يسمح لها بتوفير تغطية استخباراتية واتصالية مستمرة للوحدات المنتشرة في الخطوط الأمامية، دون الاعتماد على منظومات مركزية قد تكون عرضة للاستهداف أو التشويش.

ويرى مطورو هذه الأنظمة أن صغر حجم المناطيد وصعوبة اكتشافها، إلى جانب انخفاض تكلفتها مقارنة بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية مثل “آر كيو-4 غلوبال هوك” و”إم كيو-9 ريبر”، يفتح المجال لنشر أعداد كبيرة منها فوق مسارح العمليات. 

وبدلاً من الاعتماد على منصة واحدة مرتفعة الثمن، يمكن إنشاء شبكة واسعة من العقد الجوية، بحيث لا يؤدي فقدان أي منها إلى تعطيل المنظومة بأكملها، وهو ما يعزز قدرتها على الصمود في البيئات القتالية المعقدة.

المناطيد تعيد رسم مستقبل الحروب.. منصات لإطلاق المسيرات - صورة 3

وتحظى هذه التقنية باهتمام متزايد داخل الجيش الأمريكي، حيث تعمل القوات البرية والبحرية وسلاح مشاة البحرية وقوات العمليات الخاصة على اختبار مفاهيم تشغيلها. 

وقد أجرى مختبر أبحاث البحرية الأمريكي خلال السنوات الماضية سلسلة تجارب ضمن مشروع “سيكادا” لإطلاق طائرات مسيّرة من مناطيد عالية الارتفاع، كما استعرض الجيش الأمريكي أخيراً إطلاق طائرة “أبولو-آر” من بالون تابع لشركة “أوربان سكاي” خلال مناورة “فاليانت شيلد 2026” في المحيط الهادئ. 

وفي تجربة أخرى، أُطلقت مناطيد تحمل طائرات مسيّرة من سفينة دعم لوجستي قبالة السواحل المغربية خلال مناورات “أفريكان ليون 26″، في دليل على إمكانية تشغيل هذه الأنظمة من البر أو البحر على حد سواء.

ولا يقتصر الاهتمام بهذه التكنولوجيا على الولايات المتحدة، إذ تعمل الصين وأوكرانيا ودول أخرى على تطوير منظومات مشابهة بدرجات متفاوتة، في إطار سباق متسارع لاستغلال طبقة الستراتوسفير بوصفها ساحة عمليات جديدة تجمع بين خصائص المجالين الجوي والفضائي.

زر الذهاب إلى الأعلى