سياسة

واشنطن تحذر موسكو برسالة سرية: لا تختبروا صبر الناتو


في زيارة سرية ونادرة إلى موسكو، حمل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف، بحسب تقارير إعلامية أميركية، رسائل شديدة الحساسية إلى القيادة الروسية تتعلق بالحرب في أوكرانيا واحتمال اختبار موسكو لقدرة حلف شمال الأطلسي على الرد، إلى جانب الملف الإيراني، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الكرملين رغم استمرار التوتر بين الجانبين.

ووصلت طائرة عسكرية أميركية من طراز «سي-17» إلى موسكو الثلاثاء 25 أغسطس/آب، قادمة من ريغا في لاتفيا، وبقيت في العاصمة الروسية نحو ثماني ساعات ونصف قبل أن تغادرها مجددا.

ولم يعلن عن الزيارة مسبقا، قبل أن تؤكد موسكو لاحقا إجراء لقاءات بين راتكليف ومسؤولين في أجهزة الاستخبارات الروسية. وأكد رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين، الخميس، أنه عقد مع راتكليف «اجتماعا على مستوى العمل» في موسكو، من دون الكشف عن تفاصيل المحادثات.

وقال الكرملين إن الرئيس فلاديمير بوتين أُبلغ بنتائج اللقاء، لكنه لم يجتمع شخصيا مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

تحذير أميركي من اختبار دفاعات الناتو

وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تمثل أحد أبرز أهداف زيارة راتكليف في نقل تحذير أميركي إلى موسكو من أي محاولة لمهاجمة دولة عضو في حلف الناتو.

ووفقا لمصادر مطلعة نقلتها الصحيفة، تخشى أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن تسعى روسيا خلال السنوات المقبلة إلى اختبار مدى استعداد الحلف للرد، عبر تنفيذ عملية محدودة ومدروسة بدلا من شن هجوم واسع يقود مباشرة إلى مواجهة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وقد يأخذ هذا السيناريو شكل هجوم إلكتروني أو عمليات تخريب أو توغل عسكري محدود، مع تركيز محتمل على دول البلطيق، ولا سيما إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، نظرا لموقعها على الجناح الشرقي للناتو وقربها من روسيا وبيلاروسيا.

وتتمثل إحدى أبرز المخاوف الأميركية في احتمال أن تختبر موسكو حدود الالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على اعتبار الهجوم على دولة عضو هجوما على الحلف بأكمله.

ويخشى مسؤولون غربيون من أن تراهن روسيا على احتمال تردد الولايات المتحدة وحلفائها في خوض مواجهة شاملة بسبب حادث محدود أو عملية تقع في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام.

ترامب يقلل من أهمية الزيارة

في المقابل، قلل الرئيس دونالد ترامب من أهمية زيارة راتكليف، وقدمها باعتبارها أقرب إلى مهمة روتينية، مؤكدا أن إدارته تواصل جهودها لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

كما أفادت تقارير صحافية بأن ترامب نفى ارتباط الرحلة بالتهديدات التي تواجه دول الناتو أو بالملف الإيراني.

لكن هذه الرواية لا تتطابق بالكامل مع ما أوردته وسائل إعلام أميركية عن مصادر مطلعة، بينها «إيه بي سي نيوز»، والتي تحدثت عن إدراج إيران ضمن الملفات التي نوقشت خلال الاتصالات.

إيران ومضيق هرمز على جدول الأعمال؟

وتشير التقارير إلى أن واشنطن تحاول إقناع موسكو بتقليص دعمها العسكري والاقتصادي لطهران، بالتزامن مع تشديد إدارة ترامب الضغوط والعقوبات على إيران.

كما تحدثت تقارير عن احتمال بحث تداعيات العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، إضافة إلى وضع مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.

ومع ذلك، لم تؤكد واشنطن أو موسكو رسميا هذه التفاصيل، ولا يزال مضمون المحادثات التي جرت خلف الأبواب المغلقة غير معروف.

قناة استخباراتية لتجنب التصعيد

وتأتي زيارة راتكليف في إطار قنوات اتصال استخباراتية بين واشنطن وموسكو استمرت حتى خلال أكثر مراحل التوتر حدة بين البلدين.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، زار مدير CIA آنذاك وليام بيرنز موسكو، وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن الولايات المتحدة على علم باستعداداته لغزو أوكرانيا، وذلك قبل بدء الهجوم الروسي واسع النطاق في فبراير/شباط 2022.

ومنذ ذلك الحين، استمرت اتصالات ولقاءات بين مسؤولين استخباراتيين من البلدين بهدف الحد من مخاطر سوء التقدير ومناقشة ملفات حساسة، من بينها المخاطر النووية والمعتقلون والحرب في أوكرانيا.

ويرى محللون أن اختيار القناة الاستخباراتية لنقل هذه الرسائل قد يكون متعمدا، لأنها تتيح إيصال تحذيرات مباشرة وحساسة بعيدا عن التصريحات الدبلوماسية العلنية.

كما أن استمرار التواصل بين راتكليف وناريشكين يوفر لواشنطن وموسكو قناة لإدارة الأزمات في وقت تتقاطع فيه ملفات أوكرانيا والناتو وإيران بصورة متزايدة.

سرية الرحلة تثير التساؤلات

وزادت السرية المحيطة بالزيارة من أهميتها، خصوصا بعد رصد رحلة الطائرة العسكرية الأميركية من ريغا إلى موسكو، وهو ما أثار اهتماما واسعا في دول البلطيق.

وتحدثت تقارير أيضا عن طلب أميركي من أوكرانيا تجنب تنفيذ ضربات ضد موسكو خلال وجود الوفد الأميركي هناك، تفاديا لأي حادث قد يهدد المهمة، لكن هذه المعلومة لم تؤكدها واشنطن رسميا.

وفي موسكو، اكتفى الكرملين بالتأكيد على استمرار الاتصالات بين أجهزة الاستخبارات، معتبرا أنها تظل مفيدة حتى في فترات التوتر. ولم تعلن روسيا عن أي اتفاق أو تفاهم رسمي نتج عن لقاء راتكليف وناريشكين.

وهكذا، تبقى طبيعة الرسائل التي حملها مدير CIA إلى موسكو غير معلنة رسميا. لكن المعطيات المتداولة تشير إلى أن الزيارة ربما تجاوزت إطار الاتصال الروتيني، لتشمل تحذيرا أميركيا من اختبار روسي محتمل لدفاعات الناتو، ومحاولة للتأثير في موقف موسكو من إيران، بالتوازي مع مساعي ترامب لإبقاء باب التفاوض بشأن أوكرانيا مفتوحا.

وبالنسبة إلى واشنطن، تكمن المعضلة في منع تحول الحرب الأوكرانية والتوتر مع إيران إلى أزمتين مترابطتين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات الاتصال مع موسكو لتجنب سوء تقدير قد يدفع روسيا وحلف شمال الأطلسي نحو مواجهة مباشرة.

زر الذهاب إلى الأعلى