أزمات متراكمة وانقسامات داخلية حادة… صراع الأجنحة يسلّط الضوء على هشاشة بنية الحكم في إيران (خبير)
في قلب المشهد الإيراني تتسع التصدعات داخل بنية النظام، ولم تعد قابلة للاحتواء أو التغطية بخطاب “التماسك” الرسمي، بل باتت تظهر كصراع نفوذ مفتوح بين مراكز قوة متنافسة داخل منظومة حكم تتآكل تدريجياً من الداخل.
ويبدو النظام الإيراني اليوم أقرب إلى ساحة تتقاطع فيها أجنحة متعددة، يتصدرها الحرس الثوري باعتباره الفاعل الأكثر حضوراً ونفوذاً، مقابل تراجع واضح لدور المؤسسات السياسية التي أصبحت في كثير من الأحيان أقرب إلى واجهات إدارية محدودة التأثير، في ظل غياب تأثير فعلي للمرشد مجتبى خامنئي وما يرافقه من تباينات داخلية متزايدة.
وبحسب خبير في شؤون الشرق الأوسط، فإن تصاعد نفوذ الحرس الثوري يعكس تراجعاً ملموساً للمؤسسات المدنية داخل الدولة الإيرانية، مرجعاً ذلك إلى طبيعة النظام الهجين الذي يجمع بين البنية المدنية والعسكرية، حيث تعمل المؤسسات المنتخبة ضمن سقف تضعه مراكز قوة غير منتخبة تميل كفتها لصالح المؤسسة العسكرية والأمنية.
ويضيف أن هذا النفوذ تعزّز عبر تغلغل الحرس الثوري في البنية الاقتصادية والإدارية للدولة، من خلال شبكات مصالح وشخصيات مرتبطة به داخل مؤسسات مدنية، مقابل ضعف قدرة هذه المؤسسات على التأثير داخل البنية العسكرية أو الأمنية.
كما يشير إلى أن اعتبارات الأمن والصراع الإقليمي، إلى جانب محدودية الحضور المباشر للمرشد، منحت الحرس الثوري مساحة أوسع للتدخل في القرار، خصوصاً في ملفات السياسة الخارجية والدبلوماسية.
وعلى مستوى الصراع الداخلي، يوضح الخبير أن التباينات داخل النظام لم تعد خفية، إذ تظهر من خلال دعوات متكررة لمراجعة السياسات الخارجية وتقدير كلفة التصعيد، ما يعكس وجود تيارات داخلية متفاوتة في رؤيتها للمسار الحالي.
كما يلفت إلى وجود اختلافات داخل الحرس الثوري نفسه بين أجيال مختلفة؛ جيل تقليدي تشكل في مرحلة الثورة والحرب مع العراق، وجيل أحدث يميل إلى إدارة النفوذ عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وتجنب المواجهة المباشرة، رغم أن هذه التباينات تبقى مضبوطة ضمن إطار مصالح موحد.
ويؤكد أن هامش استقلالية الحكومة محدود، خاصة في القضايا الكبرى، حيث تخضع القرارات الاستراتيجية لمؤسسات يهيمن عليها الحرس الثوري، ما يجعل ميزان القوة يميل بوضوح لصالحه داخل بنية الدولة.
وفي المحصلة، لا يقتصر المشهد على صراع نفوذ فحسب، بل يعكس تحولاً أعمق في بنية السلطة، حيث لم يعد القرار محصوراً في مركز واحد، بل أصبح موزعاً بين دوائر أمنية وعسكرية متعددة، في انتقال تدريجي من نموذج القيادة المركزية إلى نمط إدارة أمنية جماعية.
ويتجلى هذا التحول في تراجع دور المرشد إلى موقع أقرب للمصادقة على قرارات تُصاغ داخل مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، ما يعزز حالة الضبابية في صنع القرار، خصوصاً في الملفات الحساسة المرتبطة بالسياسة الخارجية وإدارة الأزمات.
وتدعم تصريحات سابقة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا التقييم، إذ أشار إلى وجود انقسامات داخلية في إيران وفجوة بين الخطاب العلني والمواقف الفعلية في قنوات التفاوض غير المباشرة، ما يعكس تعقيد المشهد الداخلي وتشابك مراكز القرار داخله.
