الجيش السوداني واتهامات الأسلحة الكيميائية.. أدلة جديدة وضغوط دولية متصاعدة
عاد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي خلال الأسبوع الأول من أكتوبر 2026، بعدما أعادت تقارير صحفية وتحركات سياسية تسليط الضوء على اتهامات باستخدام الجيش السوداني مواد كيميائية خلال الحرب المستمرة مع قوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. ولم يعد الجدل مقتصراً على الاتهامات الأميركية التي ظهرت في عام 2025، بل اتسع ليشمل وثائق مسربة، ومطالب بإجراء تحقيق دولي مستقل، ودعوات إلى تمكين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من الوصول إلى المعلومات والمواقع التي قد تساعد على تحديد حقيقة ما جرى.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن الاتهامات تتعلق بأسلحة محظورة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي انضم إليها السودان عام 1999. فالقضية، إذا ثبتت الوقائع المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية، لن تكون مجرد تجاوز عسكري في ساحة حرب، بل ستثير أسئلة قانونية وسياسية تتعلق بالمسؤولية عن استخدام أسلحة محرمة، ومدى التزام الدولة بتعهداتها الدولية، وإمكانية محاسبة المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذها.
تقارير جديدة تعيد فتح الملف
شهدت الأيام الأخيرة من سبتمبر وبداية أكتوبر تحركاً ملحوظاً في النقاش المتعلق بالاتهامات. ففي 4 أكتوبر، نشرت صحيفة «ذا ستار» الكينية تقريراً تناول ما وصفته بأدلة جديدة تشير إلى احتمال استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، مستندة إلى تقارير صحفية سابقة ورسالة وقعها خبراء في مجال الحد من التسلح. ووفقاً للتقرير، رأى 18 خبيراً أن المعلومات التي ظهرت منذ الاتهامات الأميركية في مايو 2025 تعزز الحاجة إلى تحقيق مستقل للتحقق من الوقائع.
وتحدثت الرسالة، بحسب التقرير، عن ادعاءات باستخدام أسطوانات تحتوي على الكلور في هجومين على الأقل خلال سبتمبر 2024، إلى جانب معلومات عن إنتاج ذخائر جوية يُقال إنها صُممت لنشر غاز الكلور. غير أن هذه المعلومات، مهما بلغت أهميتها، تظل بحاجة إلى التحقق الفني والقانوني من خلال فحص مستقل للأدلة، وتحديد مواقع الحوادث، وتحليل العينات والوثائق، ومقارنة الروايات المتاحة بالوقائع الميدانية.
كما تناولت تقارير صحفية أميركية نُشرت في سبتمبر 2026 وثائق سرية قيل إنها تشير إلى وجود نشاط لإنتاج ذخائر مرتبطة بالكلور داخل منظومة عسكرية سودانية. وتحدثت هذه التقارير عن صور ومقاطع مصورة ووثائق قالت إنها تعزز الاتهامات السابقة. لكن نشر وثائق مسربة لا يعادل تلقائياً صدور نتيجة نهائية من جهة دولية مختصة، خصوصاً عندما لا تكون جميع المواد الأصلية متاحة للفحص العام أو للتحقق المستقل.
وبذلك، فإن التطور الأبرز لا يتمثل في حسم القضية، بل في اتساع دائرة المطالبين بالكشف عن الأدلة وإخضاعها لاختبار دولي مستقل. <Cite refs={[“turn864327view1″,”turn864327view5”]}/>
واشنطن تتمسك باتهاماتها
تعود خلفية الملف إلى مايو 2025، عندما أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية خلال الحرب. وتبعت ذلك إجراءات عقابية، قبل أن تعلن واشنطن في عام 2026 فرض تدابير إضافية، مستندة إلى تقييمها بأن السودان لم يستوفِ الشروط المطلوبة للعودة إلى الامتثال.
وشملت التدابير الأميركية الجديدة، وفق الإشعار المنشور في السجل الفيدرالي في يوليو 2026، معارضة تقديم بعض أشكال المساعدة المالية أو الفنية للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية، وفرض قيود إضافية على الصادرات، مع استثناءات محددة تتصل بالاحتياجات الإنسانية وغيرها من الحالات التي نصت عليها الإجراءات. وتكشف هذه الخطوات أن القضية تحولت من اتهام سياسي إلى مسار عقوبات له تبعات اقتصادية ودبلوماسية ملموسة.
وفي اجتماعات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في يوليو، دعت الولايات المتحدة إلى إعلان شامل بشأن أي برامج أو مخزونات أو منشآت ذات صلة، وإلى السماح بوصول دولي مستقل للتحقق من المعلومات. كما رفضت اعتبار تشكيل لجنة تحقيق وطنية بديلاً عن التحقق الدولي المستقل.
وتقول واشنطن إن تقييمها يستند إلى تحليل فني مستقل، لكنها لم تنشر جميع الأدلة التي تقول إنها تملكها. وهذه النقطة تظل جوهرية في النقاش: فوجود تقييم حكومي رسمي يمنح الاتهامات ثقلاً سياسياً، لكنه لا يغني عن إجراءات تحقق شفافة تسمح بتقييم الأدلة وتحديد نطاق الوقائع والمسؤوليات.
لندن تطلب استكمال التحقيق
على الجانب البريطاني، حمل الأسبوع الأخير تطوراً إضافياً تمثل في رد حكومي أمام مجلس اللوردات بتاريخ 6 أكتوبر 2026. وأكدت الحكومة البريطانية أنها تتابع التقارير المتعلقة بالاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية في السودان وتراجعها بعناية، مشددة على أن أي خرق لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية يُؤخذ على محمل الجد.
وأضاف الرد أن مسؤولين بريطانيين أثاروا التقرير المحدد مع ممثلين للقوات المسلحة السودانية، وحثوا السودان على استكمال تحقيقه في الاتهامات وإبلاغ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالنتائج.
ويعكس الموقف البريطاني اتجاهاً نحو إبقاء الملف مفتوحاً أمام التحقق، مع التشديد على الالتزامات الدولية للسودان. لكنه لا يعني، في حد ذاته، أن لندن أعلنت حكماً نهائياً مستقلاً بشأن كل واقعة من الوقائع المتداولة. فالتمييز بين مراجعة الادعاءات، والمطالبة بالتحقيق، وإثبات المسؤولية، ضروري لفهم المسار الدبلوماسي بدقة.
كما أن التحرك البريطاني يضع السلطات السودانية أمام اختبار يتعلق بمدى استعدادها لتقديم معلومات قابلة للفحص، بدلاً من الاكتفاء بالرفض السياسي أو البيانات العامة. فكلما كانت الإجراءات الوطنية واضحة، وأُتيحت نتائجها للجهات الدولية المختصة، ازدادت فرص تبديد الشكوك أو تحديد أوجه الخلل التي تحتاج إلى معالجة.
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أمام اختبار عملي
تمثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الجهة الدولية الأساسية المعنية بالتحقق من الالتزام بالاتفاقية. وتتيح الاتفاقية آليات يمكن استخدامها، وفق الشروط والإجراءات القانونية، لتقصي ادعاءات الاستخدام أو فحص منشآت يشتبه في ارتباطها بأنشطة محظورة.
ومن بين الخيارات التي أشار إليها خبراء الحد من التسلح إجراء تحقيق فني في حوادث محددة، أو إرسال بعثة للمساعدة الفنية، أو اللجوء إلى آليات تفتيش أكثر صرامة إذا توافرت المتطلبات القانونية اللازمة. ويعتمد اختيار الآلية على طبيعة الأدلة، وموقع الحوادث، وإمكانية الوصول، ومدى تعاون الأطراف المعنية.
ولا يقتصر العمل الفني على العثور على مادة كيميائية في موقع ما. فالمحققون يحتاجون إلى سلسلة موثقة لحيازة العينات، وإجراءات تمنع التلوث أو العبث، وتحليل مخبري موثوق، وربط النتائج بمكان وزمان محددين، ثم تقييم ما إذا كانت المادة قد استُخدمت كسلاح أم ظهرت نتيجة نشاط آخر. كما ينبغي فحص الصور والوثائق الرقمية والتحقق من تاريخها ومصدرها، والاستماع إلى الشهود مع مراعاة سلامتهم.
ويُعد الوصول المستقل إلى المواقع والوثائق عاملاً مهماً في بناء نتيجة تحظى بالثقة. وفي المقابل، فإن أي تحقيق لا يملك وصولاً كافياً أو يعتمد على مصادر غير قابلة للفحص قد يواجه صعوبة في إصدار استنتاج حاسم.
تداعيات تتجاوز ساحة القتال
تتجاوز خطورة القضية حدود المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع. فاستخدام الأسلحة الكيميائية، إذا ثبت، قد يفاقم معاناة المدنيين، ويزيد المخاطر على العاملين في المجال الصحي والإنساني، ويعمق أزمة الثقة في المؤسسات العسكرية والسياسية. كما يمكن أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى جهود وقف إطلاق النار، لأن الأطراف قد تستخدم الاتهامات في الصراع السياسي والإعلامي، بينما تصبح حماية الأدلة والشهود أكثر صعوبة في ظل استمرار القتال.
أما على الصعيد الخارجي، فإن استمرار الملف قد يرفع كلفة التعامل الاقتصادي والدبلوماسي مع السلطات السودانية، خصوصاً إذا استمرت العقوبات أو توسعت القيود المرتبطة بها. وقد تتأثر فرص التعاون الدولي في مجالات التمويل والتجارة والمساعدات الفنية، مع ضرورة التمييز بين الإجراءات الموجهة إلى السلطات وبين المساعدات الإنسانية المخصصة للمدنيين.
وفي بلد يعاني بالفعل من حرب واسعة النطاق ونزوح وأزمات غذاء وخدمات، فإن أي قيود إضافية قد تخلق آثاراً غير مباشرة على السكان. ولهذا تبرز أهمية تصميم التدابير الدولية بطريقة تستهدف المسؤولين والأنشطة محل الاتهام، مع الحفاظ على قنوات المساعدة الأساسية وعدم تحويل المدنيين إلى طرف يدفع ثمن الخلافات السياسية.
ما الذي يمكن أن يحدث لاحقاً؟
تتمثل الخطوة الأكثر أهمية في انتقال القضية من تبادل الاتهامات إلى مسار تحقق يمكن تقييم نتائجه. ويشمل ذلك استكمال التحقيق الوطني، وإبلاغ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالنتائج، وتوضيح ما إذا كانت هناك حاجة إلى خبراء دوليين أو إجراءات تفتيش إضافية. كما أن نشر معلومات موثقة عن منهجية جمع الأدلة ونتائج الفحوص، بالقدر الذي لا يعرّض الشهود أو المصادر للخطر، يمكن أن يساعد في تعزيز الثقة.
وفي حال توافر أدلة كافية، قد يتوسع المسار نحو تحديد المسؤوليات المؤسسية والفردية، وفق القواعد القانونية ذات الصلة. أما إذا لم تثبت بعض الادعاءات، فينبغي إعلان ذلك بوضوح أيضاً، لأن التحقيق المستقل لا يفترض الإدانة مسبقاً، بل يختبر الأدلة ويحدد ما تدعمه وما لا تدعمه.
في المحصلة، يكشف الأسبوع الأول من أكتوبر 2026 عن اتساع الضغوط الرامية إلى التحقيق في اتهامات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية. وبين التقارير الصحفية والوثائق المسربة والمواقف الحكومية، يبقى الفصل الحاسم بيد التحقق الفني المستقل. فخطورة الاتهام تفرض التعامل معه بجدية، لكنها تفرض في الوقت نفسه الالتزام بالدقة وعدم تقديم الوقائع غير المحسومة على أنها أحكام نهائية. والأهم أن الوصول إلى الحقيقة يجب أن يكون جزءاً من مسار أوسع لحماية المدنيين، ومنع تكرار الانتهاكات، وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب في السودان.
