السودان يدفع ثمن صراع النفوذ الإقليمي
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب السودانية، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فقد اتسعت الحرب لتصبح جزءاً من شبكة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي قلب هذه الشبكة تظهر مصر والسعودية وقطر وتركيا، وهي دول تختلف في أهدافها وأدواتها، لكنها جميعاً تمتلك مصالح ونفوذاً في السودان.
السودان، بحكم موقعه الجغرافي، ليس دولة هامشية بالنسبة إلى المنطقة. فهو يطل على البحر الأحمر، ويرتبط بالقرن الأفريقي، ويجاور مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا. ولذلك فإن أي انهيار طويل الأمد للدولة السودانية لا يبقى داخل حدودها، بل ينتقل تأثيره إلى محيطها. هذه الحقيقة تفسر جزءاً كبيراً من اهتمام القوى الإقليمية بالحرب، لكنها في الوقت نفسه تجعل السودان عرضة لأن يتحول إلى ساحة لتنافس المصالح.
المشكلة تبدأ عندما تصبح مساعدة طرف من أطراف الصراع وسيلة لحماية النفوذ الإقليمي. ففي هذه الحالة، لا يعود الهدف الأول هو إنهاء الحرب، وإنما ضمان ألا يخرج الطرف الذي تدعمه الدولة الإقليمية خاسراً. وهذا النوع من الحسابات يمكن أن يطيل الحرب حتى لو لم تكن الدولة الداعمة تريد استمرارها بصورة مباشرة.
مصر تمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التعقيد. فالقاهرة تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي. الحدود المشتركة، وملف النيل، وأمن البحر الأحمر، والهجرة، واحتمالات انتقال الفوضى إلى الأراضي المصرية، كلها عوامل تدفع القاهرة إلى التعامل مع الحرب السودانية بوصفها قضية استراتيجية. ولهذا دعمت مصر القوات المسلحة السودانية، التي ترى فيها المؤسسة الأكثر قدرة على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية.
لكن هذا الخيار له تكلفة سياسية. فعندما تدعم دولة إقليمية أحد طرفي حرب داخلية، فإنها تصبح مرتبطة بمصير ذلك الطرف. وكلما ارتفعت كلفة خسارته، زادت مصلحتها في بقائه قوياً. وهكذا يصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيداً، لأن التسوية قد تتطلب من الطرف المدعوم تقديم تنازلات لا ترغب الدولة الداعمة في رؤيتها.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن مصر ترى في انتصار قوات الدعم السريع تهديداً مباشراً لمصالحها، ولذلك تميل إلى دعم الجيش السوداني. كما تشير التقارير إلى أن القاهرة قد تعزز هذا الدعم إذا رأت أن الدعم السريع يقترب من مناطق تمثل أهمية أمنية بالنسبة إليها.
وفي فبراير/شباط 2026، زادت حساسية هذا الدور بعد نشر “رويترز” تحقيقاً تحدث عن وجود طائرات مسيّرة تركية الصنع في قاعدة شرق العوينات المصرية، قرب الحدود السودانية، واعتبر خبراء أن ذلك يشير إلى انخراط عسكري مصري أكبر في الحرب. وهذا التطور يوضح إلى أي حد أصبحت الحدود المصرية مرتبطة مباشرة بالعمليات العسكرية في السودان.
تركيا بدورها دخلت المعادلة من بوابة مختلفة. فقد حافظت أنقرة على علاقات واسعة مع السودان، وشملت هذه العلاقات مجالات اقتصادية ودفاعية. ومع الحرب، أصبح التعاون العسكري والتكنولوجيا الدفاعية التركية أكثر أهمية بالنسبة إلى القوات المسلحة السودانية.
وتشير تقارير صحفية وبحثية إلى استخدام الجيش السوداني طائرات مسيّرة تركية، فيما تحدث تحقيق نشرته “واشنطن بوست” عن وثائق مرتبطة بشحنات من المسيّرات والصواريخ التركية إلى الجيش. كما أفادت مصادر أخرى بأن الطائرات المسيّرة التركية ساعدت الجيش السوداني على تعزيز قدراته الجوية في مواجهة الدعم السريع.
لكن أهمية الدور التركي لا تكمن فقط في كمية السلاح. فتركيا تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطوراً في مجال الطائرات المسيّرة، واستخدام هذه التكنولوجيا في السودان يعني أن الحرب باتت مرتبطة أيضاً بتطورات صناعة الدفاع الإقليمية. وقد يؤدي هذا إلى رفع سقف القدرة على القتال بدلاً من دفع الأطراف إلى التسوية.
السعودية، من جهتها، تمثل الحالة الأكثر تعقيداً بسبب دورها كوسيط. فمنذ بداية الحرب، لعبت الرياض دوراً بارزاً في استضافة محادثات جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، وسعت إلى دفع الجيش والدعم السريع نحو وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات.
لكن مسار جدة كشف حدود الوساطة عندما لا تكون مدعومة بآليات ضغط قوية. فقد تم التوصل إلى التزامات واتفاقات، لكن القتال استمر، ولم تنجح المحاولات في تحويل المفاوضات إلى وقف دائم للحرب. وتشير دراسة للبرلمان الأوروبي إلى أن الالتزامات التي تم التوصل إليها خلال محادثات جدة لم تُنفذ بصورة كافية، وأن مبادرات لاحقة لم تتمكن من إنهاء القتال.
السعودية، بحكم موقعها وعلاقاتها مع أطراف سودانية مختلفة، تملك قدرة حقيقية على التأثير في مسار الأزمة. لكن التأثير لا يصبح حاسماً إلا عندما يتحول إلى ضغط. فاستضافة المفاوضات وحدها لا تكفي إذا كان طرفا الحرب يعتقدان أن بإمكانهما تحسين شروطهما من خلال المعارك.
قطر بدورها تملك تاريخاً طويلاً من الحضور السياسي والوساطة في السودان. وقد حافظت على علاقات مع أطراف سودانية مختلفة، بينما تضعها بعض الدراسات ضمن الدول التي امتلكت مواقف داعمة للقوات المسلحة السودانية إلى جانب مصر والسعودية وتركيا. لكن طبيعة الدور القطري أقل وضوحاً من حيث الدعم العسكري المباشر، ولذلك ينبغي التفريق بين النفوذ السياسي وبين تقديم السلاح.
مع ذلك، فإن النفوذ السياسي يمكن أن يكون مؤثراً في الحرب. فالدولة التي تمتلك قنوات اتصال مع طرف متحارب تستطيع التأثير في قراراته، أو منحه دعماً دبلوماسياً، أو فتح المجال أمامه للتحرك إقليمياً. ولهذا فإن السؤال بالنسبة إلى قطر ليس فقط ماذا قدمت عسكرياً، وإنما كيف استخدمت نفوذها السياسي تجاه الأزمة السودانية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام أربع دول تملك أربع أدوات مختلفة. مصر تمتلك النفوذ الجغرافي والأمني وعلاقة وثيقة بالجيش. تركيا تمتلك التكنولوجيا الدفاعية والعلاقات العسكرية. السعودية تمتلك النفوذ الدبلوماسي والقدرة على الوساطة. وقطر تمتلك شبكة علاقات سياسية وخبرة في ملفات التفاوض.
هذه الأدوات يمكن أن تستخدم لإنهاء الحرب، لكنها يمكن أيضاً أن تساهم في إطالتها إذا أصبحت موجهة نحو الحفاظ على نفوذ طرف أو تحسين موقعه في الصراع.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتقاطع هذه التدخلات مع تدخلات خارجية أخرى تدعم الطرف المقابل. عندها لا تعود الحرب مجرد صراع بين الجيش والدعم السريع، بل تتحول إلى نظام معقد من الدعم المتبادل، بحيث يستطيع كل طرف تعويض خسائره والحصول على موارد جديدة.
وهنا تظهر واحدة من أهم نتائج التدخل الخارجي: تحويل الحرب من صراع سريع الحسم إلى صراع طويل الأمد.
فكلما حصل الجيش على دعم جديد، يستطيع مواصلة عملياته. وكلما تمكن الدعم السريع من الحفاظ على مصادر تمويل وإمداد، يستطيع بدوره الاستمرار. ومع استمرار القدرة على القتال، يتراجع الضغط الداخلي من أجل التسوية.
وتؤكد “تشاتام هاوس” أن تدفق الأسلحة والأموال واللوجستيات من الخارج يمثل أحد العوامل التي تغذي الحرب السودانية، وأن وقف هذه التدفقات يمثل جزءاً أساسياً من أي محاولة حقيقية لإنهاء الصراع.
وهذا يقود إلى السؤال الأهم: هل يمكن إنهاء الحرب من دون معالجة التدخلات الخارجية؟
من الصعب تصور ذلك.
حتى لو توصل الجيش والدعم السريع إلى اتفاق، فإن استمرار وصول السلاح أو الدعم المالي والسياسي يمكن أن يهدد أي اتفاق جديد. ولذلك فإن أي عملية سلام حقيقية تحتاج إلى تفاهم إقليمي يضع حداً لاستخدام السودان كساحة لتنافس المصالح.
مصر تستطيع استخدام علاقتها بالجيش لدفعه نحو التسوية. تركيا تستطيع توظيف علاقاتها الدفاعية والاقتصادية للضغط من أجل وقف التصعيد. السعودية تستطيع تطوير مسار جدة إلى آلية أكثر قوة وربط الوساطة بآليات تنفيذ ومساءلة. وقطر تستطيع استخدام علاقاتها السياسية لدعم عملية تفاوضية سودانية أكثر شمولاً.
لكن ذلك يتطلب تغييراً في فلسفة التدخل.
السودان لا يحتاج إلى دول تختار له الطرف الذي ينبغي أن ينتصر. ولا يحتاج إلى مزيد من السلاح الذي يرفع كلفة الحرب. ما يحتاجه هو ضغط إقليمي متزامن يجعل استمرار القتال أكثر صعوبة، ويجعل التسوية السياسية أكثر فائدة للأطراف من انتظار جولة عسكرية جديدة.
وفي النهاية، فإن المسؤولية الأساسية عن الحرب تبقى على عاتق الأطراف السودانية التي قررت القتال، لكن هذا لا يعفي القوى الخارجية من مسؤولية نتائج سياساتها. فالدولة التي تمتلك القدرة على التأثير في طرف من أطراف النزاع تستطيع أن تساعد على إطالة الحرب، كما تستطيع أن تساعد على إنهائها.
ولهذا فإن مصر وتركيا والسعودية وقطر أمام اختبار حقيقي. ليس الاختبار في إعلان دعم وحدة السودان أو الدعوة إلى السلام، وإنما في كيفية استخدام النفوذ الموجود بالفعل. فإذا استُخدم هذا النفوذ لتقوية القدرات العسكرية، فإن الحرب ستظل قادرة على الاستمرار. أما إذا استُخدم للضغط على الأطراف ووقف قنوات السلاح والتمويل ودعم المدنيين، فقد يتحول التدخل الإقليمي إلى جزء من الحل.
السودان، في النهاية، لا يدفع فقط ثمن الحرب بين جيشه وقوات الدعم السريع، بل يدفع أيضاً ثمن البيئة الإقليمية التي تسمح لهذه الحرب بأن تستمر. وكل يوم إضافي للقتال يعني مزيداً من النزوح والدمار والجوع، ومزيداً من تآكل الدولة والمجتمع. ولهذا فإن إنهاء الحرب يتطلب أكثر من اتفاق سوداني؛ يتطلب أيضاً أن تتوقف القوى الإقليمية عن التعامل مع السودان باعتباره مجرد مساحة للنفوذ، وأن تبدأ في التعامل معه باعتباره دولة تحتاج إلى السلام قبل أي حساب آخر.
