حصري
تحولات المقاربة الغربية تجاه جماعة الإخوان المسلمين: من رصد العنف إلى تفكيك شبكات النفوذ والتمويل
شهدت الآونة الأخيرة تحولاً جذرياً وعميقاً في المقاربة الأمنية والسياسية التي تعتمدها العواصم الغربية في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين وامتداداتها التنظيمية والفكرية.
لعقود طويلة، انصب الاهتمام الأمني الأوروبي والأمريكي بشكل شبه حصري على تتبع خلايا العنف المباشر ومكافحة الأنشطة الإرهابية المادية. غير أن القراءة التحليلية للمشهد الراهن تؤكد انتقال مراكز القرار في الغرب نحو استراتيجية جديدة تتجاوز مظاهر العنف السطحية لتستهدف البنية التحتية الصلبة للجماعة، والمتمثلة في شبكات التمويل المعقدة، والجمعيات الخيرية، والمساجد، والمدارس، والمنصات الحقوقية التي تُستخدم كأدوات نفوذ وتغلغل مجتمعي وسياسي.
هذا التحول لم يعد مجرد نقاشات في أروقة مراكز الأبحاث، بل تُرجم إلى إجراءات تشريعية صارمة وقرارات إدارية وقضائية متلاحقة في كل من أوروبا والولايات المتحدة، مما يضع استراتيجية التغلغل الإخوانية أمام مأزق بنيوي غير مسبوق.
في هذا السياق، واكب الإعلام الدولي هذا التحول برصد دقيق وخلفيات تحليلية معمقة. فقد نشرت منصة Le Pont de Genève السويسرية الناطقة بالفرنسية والمستقلة، تقريراً مفصلاً تحت عنوان “ما وراء العنف: أوروبا تركز الآن على شبكات الإخوان المسلمين”.

أكدت فيه أن النقاش الأوروبي تجاوز مرحلة التركيز على الخلايا المتطرفة العنيفة، لينصب بالكامل على مراقبة التمويل والمساجد والشبكات المؤسساتية. وأشارت المنصة السويسرية، المعروفة بتغطيتها للشؤون الأوروبية والدولية من مقرها في جنيف، إلى أن هذا التحرك بات ملموساً في عواصم كبرى مثل باريس، وبرلين، وبروكسل، ودبلن، حيث بدأت السلطات في اتخاذ تدابير عملية لمحاصرة “الإسلام السياسي الاستراتيجي”، وهو المصطلح الذي بات يثير قلق الأجهزة الأمنية الغربية.
ولم تقتصر هذه التخوفات على الجانب السويسري أو الفرنسي فحسب، بل امتدت إلى الصحافة الاقتصادية والسياسية العريقة في جنوب أوروبا. حيث نشرت صحيفة Il Sole 24 Ore الإيطالية – التي تعد من أقدم وأعرق الصحف في إيطاليا وتصدر من ميلانو منذ عام 1865 – مقالاً تحليلياً بعنوان “الجدل الأوروبي حول الإخوان المسلمين يضع استراتيجية النفوذ في مرمى الانتقاد”.

وأوضحت الصحيفة، ذات التأثير الواسع في الأوساط المالية والتشريعية الأوروبية، أن تصاعد الجدل في القارة العجوز يركز على استراتيجية النفوذ طويلة الأمد التي تعتمدها الجماعة عبر اختراق النسيج المجتمعي من خلال الجمعيات والتمويلات الوافدة، عوضاً عن الصدام العنيف المباشر. وأشارت الصحيفة إلى وجود ضغوط سياسية متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي للدفع نحو تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، بالرغم من وجود نقاشات موازية تحذر من خلط الأوراق والمساس بحقوق المسلمين الأوروبيين غير المرتبطين بالتنظيم.
وفي المقابل، ركزت وسائل الإعلام في عاصمة القرار الأوروبي “بروكسل” على الأبعاد المؤسساتية والأمنية لهذه التحركات. فقد نشرت منصة EU Reporter البلجيكية المتعددة الوسائط، مقال رأي تحت عنوان “ما وراء العنف: تركيز أوروبا الجديد على شبكات الإخوان المسلمين”، استعرضت فيه التحذيرات الأمنية الصادرة من ألمانيا وأيرلندا بشأن التغلغل الإخواني. ونقلت المنصة، التي تُعد مصدراً إخبارياً مفضلاً لأعضاء البرلمان الأوروبي، تقارير تفيد بإعادة هيكلة مؤسسات إسلامية كبرى كمسجد “كلونسكيغ” في أيرلندا بسبب مخاوف تتعلق بروابط تمويلية وأيديولوجية بالجماعة.

كما تطرقت المنصة إلى نفي بعض المنظمات الشبابية مثل “FEMYSO” لارتباطها بالتنظيم، مؤكدة أن المعركة القانونية والأمنية في أوروبا أصبحت تدور حول إثبات الروابط الهيكلية والمالية وتفكيكها بآليات تشريعية وقائية.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، اتخذ التصعيد ضد الجماعة منحى تشريعياً وقضائياً بالغ الصرامة، وتحديداً في ولاية فلوريدا الأمريكية، وهو ما حظي باهتمام إعلامي دولي واسع. فقد انفردت شبكة News18 الهندية – الذراع الرقمي لشبكة CNN-News18 والشريكة مع CNN الدولية – بنشر تقرير حصري تحت عنوان “فلوريدا تصنف CAIR وجماعة الإخوان المسلمين كجماعات إرهابية وتفرض قيوداً واسعة”.

وكشف التقرير عن صدور القانون التشريعي “HB 1471” في فلوريدا، والذي بموجبه تم تصنيف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) وجماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية محلية، مما يترتب عليه حظر كامل لأنشطتها في الجامعات، وإلغاء عقودها الحكومية، ومنع أي تمويل عمومي لها، استناداً إلى ارتباطات تاريخية ومالية بحركة حماس.
هذا القرار الأمريكي المثير للجدل أحدث ارتدادات واسعة في الصحافة الفرنسية المهتمة بالجيوسياسية. حيث نشر موقع L’Observatoire de l’Europe – وهو منصة مجتمعية فرنسية مستقلة تُعنى بتحليل السياسات الأوروبية – مادة تحليلية بعنوان “فلوريدا تصنّف «كير» منظمة إرهابية”.

واستعرض الموقع التفاصيل القانونية للقرار الذي وقعه الحاكم رون ديسانتيس في 29 سبتمبر 2026، والقيود الصارمة التي دخلت حيز التنفيذ في 5 نوفمبر. وأوضح الموقع الفرنسي أن الولاية استندت في قرارها إلى تصنيف “كير” كمتآمر غير مدان في قضية مؤسسة الأرض المقدسة الشهيرة عام 2007، مشيراً في الوقت ذاته إلى الاعتراضات القضائية والدستورية التي قادها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) للدفاع عن الحقوق المدنية والتعديل الأول للدستور الأمريكي.
وفي ذات السياق الفرنسي، تناول موقع Issues الإعلامي المتخصص في السياسة والجغرافيا السياسية والاقتصاد، القضية من زاوية أوسع عبر مقال حمل عنوان “سلطات فلوريدا تصنّف «كير» منظمة إرهابية”.

وأشار الموقع إلى أن التدبير التشريعي في فلوريدا لم يقتصر على جماعة الإخوان و”كير” فحسب، بل شمل إدراج تنظيمات أخرى مثل “أنتيفا”، إلى جانب تبني قائمة اتحادية تضم أكثر من 90 منظمة أجنبية. ونقل الموقع مبررات الحاكم ديسانتيس والمدعي العام جيمس أوثماير، اللذين اعتبرا الخطوة حماية للأمن القومي وتجفيفاً لمنابع التطرف، بينما ركز المقال على الدفوع القانونية التي قدمتها المنظمات الحقوقية باعتبار القرار غير دستوري ويفتقر إلى أدلة جنائية كافية، مذكراً بأن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت قد صنفت “كير” كمنظمة إرهابية منذ عام 2014.
ولم تغب منصة EU Reporter البلجيكية عن متابعة هذا التصعيد الأمريكي، حيث نشرت تقريراً ثانياً تحت عنوان “تصعيد أمريكي جديد ضد الإخوان المسلمين: فلوريدا تصنّف «كير» منظمة إرهابية”.

وربطت المنصة في هذا التقرير بين القرار المحلي لولاية فلوريدا والمسار الاستراتيجي الأوسع للإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي فرضت عقوبات وتصنيفات سابقة استهدفت فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والأردن، ولبنان، والسودان. وأكد التقرير البلجيكي أن الخطوة تمثل مرحلة جديدة من التضييق المالي والقانوني داخل الأراضي الأمريكية، رغم التحديات القضائية التي يرفعها التنظيم عبر أذرعه الحقوقية للدفاع عن شرعيته القانونية في الغرب.
وختاماً لهذا الرصد الدولي، نشرت منصة Modern Diplomacy البلجيكية الدولية – المتخصصة في التحليلات السياسية والدبلوماسية المعقدة بمشاركة أكاديميين ودبلوماسيين – تقريراً وافياً بعنوان “فلوريدا تدرج «كير» على قائمة الإرهاب وتجدّد النزاع بشأن التعديل الأول للدستور”.

وركزت المنصة على الأبعاد الدستورية للنزاع القانوني الناشئ عن القرار، موضحة أن مصادقة حاكم فلوريدا ومجلس وزرائه على القانون فتحت مواجهة قضائية كبرى حول حرية التعبير والتنظيم المقفولة دستورياً. واعتبرت المنصة أن المعركة القضائية القادمة ستحدد الخط الفاصل بين حماية الأمن القومي ومكافحة شبكات التغلغل الأيديولوجي، وبين صيانة الحريات المدنية في البيئة الديمقراطية الغربية. إن هذا الزخم الإعلامي والتشريعي الدولي يعكس بلا شك توافقاً غربياً ناشئاً على ضرورة تفكيك أدوات “القوة الناعمة” للإخوان المسلمين، مما يؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة الأمنية والفكرية.
