لم يعد الحضور التركي في السودان مقتصراً على المساعدات الإنسانية أو التحرك الدبلوماسي، إذ تكشف تقارير وتحقيقات عن ارتباط متزايد بين تركيا والقدرات العسكرية التي يستخدمها الجيش السوداني. ويبرز هذا الدور خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أحد أهم أسلحة الحرب وأكثرها فتكاً بالمدنيين.
وفي تحقيق نشرته واشنطن بوست في مارس 2025، كشفت وثائق وعقود وسجلات رحلات أن شركة بايكار التركية قدمت، وفق التحقيق، ما لا يقل عن 120 مليون دولار من الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى الجيش السوداني خلال الحرب. كما أظهرت الوثائق أن طائرات تركية الصنع من طراز TB2 استُخدمت في ضرب أهداف داخل السودان.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية أكبر اليوم، بعدما أصبحت المسيّرات عاملاً أساسياً في تصعيد الحرب. ففي سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن الدعم الخارجي والتكنولوجيا العسكرية الأجنبية وسّعا قدرة الأطراف المتحاربة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وإن أكثر من ألف شخص قُتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026. كما وثقت البعثة ضربات طالت منشآت مدنية ومستشفيات وأسواقاً ومواقع للنازحين.
وفي هذا السياق، تبرز تركيا باعتبارها واحدة من الدول التي ارتبط اسمها بتوفير التكنولوجيا التي ساعدت على تطوير هذا النوع من الحرب. ووفق تحليل نشر حديثاً، أصبحت المسيّرات التركية جزءاً مركزياً من العمليات العسكرية للجيش السوداني، وهو ما يثير مخاوف من أن التكنولوجيا العسكرية المتطورة لا تؤدي إلى حسم سريع للصراع، وإنما تمنح الحرب قدرة أكبر على الاستمرار والانتقال إلى مراحل أكثر دموية.
من المساعدات إلى النفوذ
المشكلة لا تتعلق بالمساعدات الإنسانية التركية في حد ذاتها، ولا توجد في المصادر التي راجعتها أدلة كافية للقول إن المساعدات الإنسانية التركية تُستخدم مباشرة لنقل الأسلحة. لكن الإشكالية تكمن في التزامن بين النشاط الإنساني والدبلوماسي التركي من جهة، والتوسع في العلاقات الدفاعية والعسكرية من جهة أخرى.
وهنا تظهر صورة أكثر تعقيداً: دولة تقدم نفسها كشريك إنساني ودبلوماسي في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بينما ترتبط شركاتها الدفاعية بتكنولوجيا عسكرية أصبحت جزءاً من ساحات القتال.
وهذا التناقض يطرح سؤالاً مشروعاً: هل يمكن لدولة أن تلعب دور الوسيط الإنساني في حرب، بينما تتحول صناعاتها الدفاعية في الوقت نفسه إلى مصدر للقدرات العسكرية المستخدمة داخل هذه الحرب؟
المسيّرات.. سلاح يطيل عمر الحرب
أخطر ما في الدور التركي، وفق هذه القراءة، ليس مجرد بيع السلاح، وإنما طبيعة السلاح نفسه. فالطائرات المسيّرة تمنح القوات التي تمتلكها إمكانية مراقبة واستهداف مناطق بعيدة دون الحاجة إلى وجود بري مباشر، وهو ما يقلل كلفة العمليات العسكرية ويتيح استمرار الضربات لفترات أطول.
وقد حذرت الأمم المتحدة من أن التطور الكبير في قدرات المسيّرات أدى إلى توسيع نطاق الهجمات داخل السودان، بحيث باتت الضربات تصل إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة. وفي سبتمبر الماضي، قالت بعثة تقصي الحقائق إن الأسلحة المسيّرة الأجنبية زادت قدرة الجيش السوداني على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وإن بعض هذه الضربات أصابت مواقع مدنية.
وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت الحرب أكثر تطوراً من الناحية التقنية، أصبحت إمكانية استمرارها أكبر، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
الوساطة أمام اختبار المصالح
التحرك التركي في السودان يكتسب أيضاً حساسية سياسية بسبب محاولة أنقرة الظهور كطرف قادر على لعب دور دبلوماسي في الأزمة. لكن الجمع بين الوساطة والعلاقات العسكرية يفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بتضارب الأدوار.
فإذا كانت تركيا تريد المساهمة في إنهاء الحرب، فإن استمرار تدفق التكنولوجيا العسكرية المرتبطة بها إلى ساحة النزاع يطرح سؤالاً حول مدى اتساق الدور الدبلوماسي مع النشاط الدفاعي.
ولا يعني ذلك أن تركيا وحدها مسؤولة عن استمرار الحرب، لكن الدعم العسكري الخارجي يمكن أن يغير حسابات الأطراف ويؤخر الوصول إلى تسوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسلحة متطورة تمنح القدرة على مواصلة القتال من مسافات بعيدة.
في ظل استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، يتحول الدور التركي إلى ملف يستحق التدقيق: المساعدات والوساطة في الواجهة، والعلاقات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية في الخلفية.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت تركيا تقدم مساعدات للسودانيين، فهذا أمر منفصل، وإنما: هل يمكن أن تساعد المساعدات والدبلوماسية على إنهاء الحرب، بينما تساهم التكنولوجيا العسكرية التركية في تعزيز القدرة على مواصلتها؟
هذه هي المفارقة التي تجعل الدور التركي في السودان موضع انتقاد متزايد، خصوصاً في وقت أصبحت فيه الطائرات المسيّرة من أخطر أدوات الحرب وأكثرها تأثيراً على المدنيين.
