في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية داخل أوروبا وتسارع برامج إعادة التسلح، تتحرك فرنسا لتعزيز حضورها في سوق الصناعات الدفاعية بالقارة، مع تركيز خاص على دول أوروبا الشرقية التي باتت تشكل محوراً استراتيجياً متزايد الأهمية في المعادلات الأمنية الأوروبية.
ويأتي هذا التوجه من خلال صفقات عسكرية متنامية، أبرزها الاتفاق مع رومانيا، والذي يراه خبراء في الشأن الأمني الأوروبي أكثر من مجرد تعاون تقني، بل انعكاساً لتحولات أعمق في بنية الأمن الأوروبي وإعادة توزيع النفوذ الدفاعي بين القوى الكبرى.
ويرى محللون أن هذه الديناميكية تندرج ضمن سباق أوروبي محتدم لإعادة رسم خريطة النفوذ العسكري، حيث تتداخل المصالح الصناعية مع الحسابات الاستراتيجية، في ظل منافسة واضحة بين فرنسا وألمانيا، إلى جانب استمرار الحضور الأمريكي كلاعب مؤثر في سوق التسليح الأوروبي.
كما تعكس هذه التحركات اتجاهاً متزايداً لدى دول أوروبا الشرقية، وفي مقدمتها رومانيا، نحو تنويع مصادر التسلح وتطوير قدراتها الدفاعية بسرعة، بما ينسجم مع التحديات الأمنية المتصاعدة على حدودها الشرقية.
تحول في بنية الأمن الأوروبي
وفي هذا السياق، يرى الباحث الفرنسي نيكولا تينزر، مدير مركز دراسات السياسات والأمن في باريس، أن الاتفاقيات الدفاعية بين فرنسا ورومانيا تتجاوز البعد التقني، لتعبّر عن إعادة تشكيل أوسع لمنظومة الأمن في أوروبا.
ويؤكد تينزر أن القارة الأوروبية تشهد منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا إعادة تعريف لمفهوم الردع، حيث لم يعد الاعتماد على المظلة الأطلسية كافياً، بل أصبح تطوير قدرات أوروبية مستقلة أمراً ضرورياً لمواجهة التحديات الأمنية المتسارعة.
ويضيف أن توجه رومانيا نحو فرنسا يعكس ثقة متزايدة في شريك أوروبي يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والالتزام السياسي بالانخراط في أمن شرق أوروبا، خاصة في ظل التهديدات المحيطة بالمنطقة.
كما يشير إلى أن البعد الصناعي، بما في ذلك نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي، لعب دوراً حاسماً في ترجيح كفة العرض الفرنسي، نظراً لما يمنحه من استقلالية استراتيجية على المدى البعيد.
تنافس أوروبي متصاعد
من جهته، يوضح الباحث الفرنسي دومينيك مويزي أن الصفقة لا تعكس فقط تعاوناً ثنائياً، بل تكشف أيضاً عن تصاعد التنافس داخل أوروبا نفسها على أسواق الدفاع.
ويشير إلى أن فرنسا وألمانيا تخوضان سباقاً متزايداً لتثبيت النفوذ في دول شرق أوروبا، التي أصبحت ساحة رئيسية لإعادة توزيع عقود التسليح، في ظل تغير الأولويات الأمنية للقارة.
ويرى مويزي أن اختيار رومانيا لفرنسا يعكس براغماتية سياسية أكثر من كونه اصطفافاً استراتيجياً، إذ تسعى بوخارست إلى تنويع شركائها العسكريين وتجنب الاعتماد على طرف واحد.
كما يؤكد أن باريس نجحت في تقديم عرض يجمع بين الكفاءة التشغيلية والمرونة، وهو ما يتناسب مع احتياجات رومانيا الأمنية المرتبطة بتوترات حدودها مع أوكرانيا.
سوق تسليح تنافسي في أوروبا الشرقية
وتشير تقارير عسكرية فرنسية إلى أن باريس تمكنت من إبرام صفقة مع رومانيا تتجاوز قيمتها مليار يورو، تشمل تزويدها بمروحيات عسكرية متطورة، في إطار برنامج أوروبي واسع لإعادة تسليح دول الاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه التطورات ضمن آلية أوروبية مخصصة لتعزيز القدرات الدفاعية، تتيح تسريع إجراءات التسلح وتجاوز التعقيدات الإدارية التقليدية.
وفي المقابل، تشهد رومانيا عملية تحديث شاملة لقدراتها العسكرية، مدعومة بتمويلات أوروبية ضخمة، ما يجعلها من أبرز المستفيدين من برامج إعادة التسلح داخل الاتحاد.
قدرات عسكرية متطورة
وتُعد المروحيات العسكرية محل الصفقة من الأنظمة متعددة المهام القادرة على تنفيذ عمليات نقل القوات والإخلاء والمهام القتالية في بيئات معقدة، مع مدى عملياتي واسع وأنظمة ملاحة واستشعار متقدمة.
وتعكس هذه التقنيات الفجوة بين المعدات الحديثة وتلك السوفيتية القديمة التي لا تزال بعض دول شرق أوروبا تعتمد عليها، ما يفرض تسريع وتيرة التحديث العسكري.
منافسة تتجاوز فرنسا
ورغم المكاسب الفرنسية، تبقى المنافسة داخل السوق الأوروبي شديدة، حيث تحتفظ ألمانيا بحصة أكبر في عقود التسليح داخل المنطقة، إلى جانب حضور شركات أمريكية ونرويجية في عدد من المشاريع الدفاعية.
ويعكس ذلك مشهداً معقداً من “الأمن التنافسي الأوروبي”، حيث تتداخل الشراكات مع المنافسة في إطار واحد، دون وجود نموذج دفاعي أوروبي موحد بالكامل.
ما بعد 2030
وتتجه رومانيا إلى توسيع استثماراتها العسكرية خلال السنوات المقبلة، مع خطط لشراء مروحيات إضافية وتعزيز التصنيع المحلي عبر شراكات مع شركات أوروبية، في خطوة تعكس انتقالاً تدريجياً نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية داخلية.
وفي المحصلة، تعكس هذه التطورات إعادة تشكيل أوسع لخريطة الدفاع الأوروبية، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على التفوق العسكري، بل تمتد إلى السرعة في الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات الدفاعية داخل الدول المستفيدة.
