سياسة

بعد تقليص الوجود في ألمانيا.. خريطة الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا


في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في العقيدة العسكرية الأمريكية تجاه أوروبا، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، الحليف الأبرز لواشنطن داخل حلف شمال الأطلسي الناتو، في قرار يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط الانتشار العسكري الأمريكي في القارة.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على إعادة تموضع استراتيجي أوسع، مدفوعاً بتصاعد الخلافات السياسية بين ضفتي الأطلسي، إلى جانب ضغوط متزايدة تتعلق بتوزيع أعباء الدفاع داخل الحلف.

ويأتي هذا القرار بعد أشهر من الانتقادات الأمريكية المتكررة للأوروبيين، الذين تتهمهم واشنطن بعدم تحمل حصتهم العادلة من تكاليف الأمن المشترك، إضافة إلى تباينات في المواقف بشأن ملفات دولية حساسة، من بينها قضايا الشرق الأوسط وإيران. وقد بلغت هذه التوترات ذروتها في سجالات سياسية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس حول إدارة الأزمات الإقليمية.

وفي الوقت الذي يعكس فيه هذا الجدل السياسي ملامح المرحلة الراهنة، يشير خبراء إلى أن فهم البنية العسكرية الأمريكية في أوروبا يظل أساسياً لتقييم تداعيات أي تقليص محتمل للوجود العسكري، وفق ما أوردته صحيفة “إندبندنت” البريطانية.

وتُظهر بيانات دفاعية حديثة أن عدد القوات الأمريكية المنتشرة بشكل دائم في القارة الأوروبية يناهز 68 ألف جندي، دون احتساب القوات الدورية المنتشرة ضمن مهام التدريب والردع.

وتتوزع هذه القوات ضمن هيكل قيادة واسع تشرف عليه القيادة الأمريكية في أوروبا، عبر عدة قيادات فرعية تغطي مختلف أفرع القوات المسلحة، وتتمركز قياداتها الرئيسية في ألمانيا وإيطاليا، بما يتيح شبكة عمليات تمتد من إدارة الأزمات إلى التعاون الأمني في أوروبا وأفريقيا.

وتنتشر القوات الأمريكية في نحو 31 قاعدة دائمة وأكثر من 19 موقعاً عسكرياً آخر، موزعة على أكثر من 12 دولة أوروبية، إلا أن الثقل الأكبر يتركز في ثلاث دول رئيسية تشكل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في القارة.

وتتصدر ألمانيا هذه المنظومة، حيث تستضيف عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين موزعين على عدة قواعد أبرزها قاعدة رامشتاين الجوية، التي تعد مركزاً لوجستياً وعملياتياً محورياً منذ عقود. تليها إيطاليا التي تحتضن آلاف الجنود في قواعد متعددة، ثم المملكة المتحدة التي تستضيف أكثر من عشرة آلاف فرد، إضافة إلى إسبانيا التي تشكل موقعاً استراتيجياً عند مدخل البحر المتوسط.

وفي الجناح الشرقي من أوروبا، يتخذ الوجود العسكري الأمريكي طابعاً مختلفاً، يجمع بين انتشار دائم محدود وقوات دورية واسعة. ففي بولندا ورومانيا والمجر، يتمركز عدد أقل من الجنود بشكل دائم، إلا أن هذا الوجود يُعزز بقوات متناوبة ضمن برامج الردع والدعم الأمني لحلف الناتو.

وبينما يشهد الغرب الأوروبي تقليصاً نسبياً في الوجود الأمريكي، يظل الشرق محوراً لسياسات الردع، في إطار معادلة أمنية لا تزال واشنطن تعتبرها ضرورية للحفاظ على توازن القوى داخل القارة الأوروبية.

زر الذهاب إلى الأعلى