حصري
مناوي يسحب قواته من محاور القتال.. القطيعة النهائية مع البرهان
في خطوة تعكس وصول الأزمة بين حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى نقطة اللاعودة، أقدم مناوي على سحب قواته من محاور القتال التي كانت منتشرة فيها إلى جانب القوات المسلحة السودانية. هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من الخلافات المتراكمة التي تحولت من تباينات في وجهات النظر إلى صراع مفتوح حول الدور والمستقبل السياسي.
مصادر مقربة من حركة تحرير السودان التي يتزعمها مناوي أكدت أن قرار السحب جاء بعد سلسلة من الاجتماعات المغلقة التي لم تسفر عن أي تقارب بين الطرفين. فمناوي الذي دخل الحرب إلى جانب الجيش تحت مظلة اتفاق جوبا للسلام، وجد نفسه تدريجياً مُقصياً من دوائر صنع القرار، ومُحاصراً بقرارات أحادية يتخذها البرهان دون مشاورته أو حتى إعلامه بها.
البرهان يرفض أي دور سياسي لمناوي
جوهر الخلاف بين الرجلين يتجاوز المسائل العسكرية ليصل إلى صلب المعادلة السياسية. فالبرهان، بحسب مصادر مطلعة، يرفض بشكل قاطع منح مناوي أي دور أو منصب سياسي في المرحلة المقبلة. هذا الرفض ليس تكتيكياً ولا مؤقتاً، بل هو موقف مبدئي يتبناه البرهان ومن حوله في القيادة العسكرية.
البرهان يرى في مناوي عبئاً سياسياً أكثر منه حليفاً عسكرياً. فمناوي يمتلك قاعدة قبلية وإثنية في دارفور تجعله رقماً صعباً في أي معادلة سياسية، وهذا تحديداً ما يقلق البرهان الذي يسعى إلى بناء شرعية عسكرية خالصة لا يشاركه فيها أحد. إن وجود شخصية بمناوي، بتاريخه النضالي وامتداداته الإقليمية والدولية، يمثل تهديداً مباشراً لطموحات البرهان في احتكار السلطة.
رفض البرهان لمناوي يتجلى في عدة مستويات: أولاً، استبعاده من الاجتماعات الاستراتيجية التي تناقش مستقبل الحكم في السودان. ثانياً، تهميش دوره كحاكم لإقليم دارفور وتجريده من الصلاحيات الفعلية. ثالثاً، منع أي تواصل مباشر بين مناوي والوسطاء الدوليين والإقليميين الذين يعملون على حل الأزمة السودانية. رابعاً، رفض منحه أي منصب في أي تشكيلة حكومية مقبلة.
تأزم الخلافات: من التباين إلى القطيعة
الخلافات بين مناوي والبرهان لم تبدأ فجأة، بل مرت بمراحل متدرجة من التأزم. في البداية، كانت الخلافات تدور حول توزيع الأدوار العسكرية وتخصيص الموارد والدعم اللوجستي. ثم تطورت لتشمل الخلاف حول استراتيجية القتال وأولويات الجبهات. لكن التحول النوعي حدث عندما بدأ البرهان يتعامل مع مناوي كمرؤوس يجب أن يتلقى الأوامر لا كشريك في تحالف عسكري وسياسي.
مناوي، الذي يقود حركة تحرير السودان منذ أكثر من عقدين، والذي خاض معارك شرسة ضد نظام البشير، لا يقبل بأن يُعامل كأداة عسكرية تُستخدم عند الحاجة ثم تُهمَّش عندما تنتهي مهمتها. هذا الشعور بالإهانة والتهميش دفعه إلى اتخاذ قرار السحب كرسالة واضحة بأن قواته ليست مليشيا تابعة للجيش، بل قوة مستقلة لها أجندتها السياسية والعسكرية الخاصة.
التداعيات العسكرية للسحب
سحب قوات مناوي من محاور القتال يترك فراغاً عسكرياً كبيراً، خاصة في مناطق دارفور وكردفان حيث كانت هذه القوات تلعب دوراً محورياً في صد هجمات قوات الدعم السريع. هذا الفراغ سيجبر الجيش على إعادة توزيع قواته وسد الثغرات، وهو أمر صعب في ظل تعدد الجبهات واستنزاف الموارد.
كما أن هذا السحب قد يشجع حركات مسلحة أخرى على إعادة تقييم تحالفاتها مع الجيش. فإذا كان البرهان يتعامل مع مناوي، الذي كان من أوائل المنضمين للقتال إلى جانب. بهذا الشكل، فما الضمان الذي يمكن أن تحصل عليه حركات أخرى؟ هذا السؤال يتردد الآن في أروقة الحركات المسلحة التي لم تحسم موقفها بعد.
البعد القبلي والإقليمي
لا يمكن فصل قرار مناوي عن البعد القبلي والإقليمي. فمناوي يحظى بدعم قبائل الزغاوة التي تمتد بين السودان وتشاد، وله علاقات وثيقة مع القيادة التشادية. سحب قواته قد يدفع هذه القبائل إلى إعادة تموضعها، وقد يؤثر على العلاقات السودانية التشادية التي تلعب دوراً محورياً في أمن دارفور.
كما أن القرار يحمل رسالة إلى المجتمع الدولي، وتحديداً إلى الاتحاد الأفريقي والإيغاد والأمم المتحدة، بأن التحالف الذي بناه البرهان مع الحركات المسلحة هش وقابل للانهيار في أي لحظة. وهذا يضعف موقف البرهان التفاوضي ويكشف أنه لا يملك إجماعاً حتى بين حلفائه المفترضين.
كل المؤشرات تدل على أن القطيعة بين مناوي والبرهان نهائية. فلا مناوي يقبل بالعودة إلى موقع التابع، ولا البرهان مستعد لتقديم تنازلات سياسية يعتبرها تهديداً لسلطته. الوسطاء الذين حاولوا رأب الصدع اصطدموا بجدار من الرفض المتبادل.
ما تبقى هو إدارة تداعيات هذا الانفصال ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين. وهذا يتطلب تدخلاً عاجلاً من القوى الإقليمية والدولية لضمان عدم انزلاق الأوضاع نحو صراع متعدد الأطراف يزيد من معاناة الشعب السوداني.
