سياسة

من البدايات إلى الحاضر.. كيف توسعت شبكة الإخوان في الولايات المتحدة؟


منذ تسعينيات القرن الماضي، عانت أمريكا سلسلة طويلة من الهجمات الإرهابية، لكن بينما تستعد لمواجهة «الإرهابيين» في الخارج، كان هناك تحدٍ مختلف قد رسخ وجوده، وبدأ نطاق انتشاره يتسع.

تحدٍ «لم يسعَ إلى إخضاع أمريكا عبر القوة العسكرية، وإنما من خلال حملة نفوذ طويلة الأمد من الداخل»، إنهم جماعة الإخوان المسلمين، التي كشفت قضية الولايات المتحدة ضد مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، عن وجود جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا واتساع نطاق انتشارها منذ وصولها إلى الولايات المتحدة عام 1962.

وقضية «الولايات المتحدة ضد مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية» هي أكبر محاكمة لتمويل الإرهاب في تاريخ الولايات المتحدة، والتي عقدت في العام 2004.

التأسيس والنشأة

ورغم بدء نشاط الإخوان في أمريكا منذ وصولها عام 1962، إلا أنه في عام 1991، صاغت الجماعة ما يُعرف باسم «المذكرة التفسيرية»، التي عثر عليها محققون من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عام 2004 في مدينة أنانديل بولاية فرجينيا، بحسب كلمة للسيناتور الجمهوري تيد كروز، خلال جلسة عقدها مجلس الشيوخ الأمريكي، الأربعاء، لمناقشة النفوذ طويل الأمد لجماعة الإخوان داخل الولايات المتحدة، ومخاطره وسبل مواجهته.

المذكرة وصفت ما سمّته، بحسب نصها، «عملية جهاد حضاري» في أمريكا الشمالية؛ وأعلنت أن عمل الجماعة في أمريكا يمثل، «جهاداً عظيماً في القضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل، وتقويض بيتها البائس».

لكنّ المذكرة لم تكتفِ بوصف الهدف، بل شرحت أيضاً كيفية الوصول إليه، فقد دعت جماعة الإخوان إلى «إتقان فن بناء التحالفات»، وإلى «استيعاب واحتواء والتعاون مع المنظمات الإسلامية القائمة» من أجل دفع مهمتها قدماً في أمريكا الشمالية، يقول كروز.

شبكات ومؤسسات الإخوان في أمريكا

وفي العام 1994، تأسس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، على يد شخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وكان عمر أحمد ونهاد عوض، وهما من مؤسسي المجلس، قد ورد اسماهما في تسجيلات تنصت لمكتب التحقيقات الفيدرالي خلال اجتماع في فيلادلفيا عام 1993، حيث كان قادة من جماعة الإخوان يخططون لتقويض عملية السلام في أوسلو وحشد دعم واسع لحركة حماس داخل الولايات المتحدة.

وبعد أشهر، ظهر المجلس كمنظمة غير ربحية، وقد ساعد العديد من الأشخاص المرتبطين به بنشاط في أعمال إرهابية وإجرامية، فعلى سبيل المثال، حُكم على المسؤول البارز في المجلس غسان العشي بالسجن 65 عاماً، بعد إدانته بتحويل أكثر من 12 مليون دولار إلى حركة حماس. كما قضى راندال روير، وهو مسؤول سابق في الاتصالات بالمجلس، 13 عاماً في السجن لمساعدته أصدقاء على الانضمام إلى حركة طالبان.

أما باسم الكفاغي، المدير السابق للشؤون المجتمعية في المجلس، فقد رُحّل من الولايات المتحدة بعد إقراره بالذنب في قضية احتيال، وكذلك أُدين مثنى الحنوتي، المدير السابق للمجلس في ميشيغان، عام 2011 بانتهاك العقوبات الأمريكية، في نمط ليس من قبيل المصادفة.

وفي عام 2008، أُدينت مؤسسة الأرض المقدسة، التي كانت آنذاك أكبر مؤسسة خيرية إسلامية في أمريكا، في 108 تهم تتعلق بتحويل الأموال إلى حركة حماس، وغسل الأموال، والاحتيال الضريبي. وحُكم على خمسة من قادتها بالسجن لفترات تصل إلى 65 عاماً.

هياكل تنظيمية

وقد أنتجت محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة كمّاً استثنائياً من الأدلة، شمل تسجيلات تنصت، ومذكرات داخلية، وهياكل تنظيمية، ومحاضر اجتماعات، كشفت عن البنية التحتية الواسعة لجماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة، فيما حدد المدعون العامون بأمريكا -آنذاك- ما وصفوه بأنه شبكة أوسع من المنظمات التي تنشط داخل الولايات المتحدة.

وضمت القائمة الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية، والأبرز بينها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، وهي منظمات لم تظهر بين عشية وضحاها.

ويقول كروز، إن هذه المنظمات بدأت في حرم الجامعات خلال ستينيات القرن الماضي، وبُنيت على مدى عقود بصبر، من خلال النوع نفسه من بناء المؤسسات والتحالفات الذي وصفته المذكرة التفسيرية.

وكشفت محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة أن هذه المنظمات لم تكن تعمل بمعزل عن بعضها البعض، وإنما كانت تعمل كجزء من منظومة أوسع لجماعة الإخوان المسلمين.

فعندما تنهار إحدى المنظمات، تظهر أخرى بسرعة، وغالباً ما يقودها العديد من الأشخاص أنفسهم، فعلى سبيل المثال الجمعية الإسلامية لفلسطين (IAP)، وهي إحدى المنظمات الإخوانية الأصلية التي جرى تحديدها خلال محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة.

وبعد أن أُجبرت الجمعية على إعلان إفلاسها نتيجة مسؤوليتها المدنية عن دعم الإرهاب، لم تختفِ قياداتها، بل ظهرت في أماكن أخرى.

فقد أصبح رفيق جبير، الرئيس السابق للجمعية الإسلامية لفلسطين، عضواً مؤسساً في مجلس إدارة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية.

أما أسامة أبو شحيد، الذي عمل في السابق لدى منظمتين تابعتين لجماعة الإخوان، من بينهما الجمعية الإسلامية لفلسطين، فيقود الآن منظمة مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين (AMP).

كما عمل صلاح سرسور لدى الجمعية الإسلامية لفلسطين قبل أن ينضم لاحقاً إلى مجلس إدارة منظمة مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين، وقد ألقي القبض عليه مؤخراً من جانب إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).

في السياق نفسه، قال كايل شيدلر مدير وكبير محللي الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب في مركز السياسة الأمنية، إن المحاكم، في القضايا المدنية والجنائية على حد سواء، كانت في قلب العديد من الاكتشافات التي كان لها أثر بالغ في أمريكا وأمنها القومي.

ومن الأمثلة على ذلك قضية الولايات المتحدة ضد مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، التي جرت محاكمتها قبل نحو عقدين، وكشفت عن وجود جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا واتساع نطاق انتشارها منذ وصولها إلى الولايات المتحدة عام 1962.

تمويل وتلقين الإرهاب

وقد أثبتت الأدلة التي قُدمت خلال تلك المحاكمة أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن تعمل في أمريكا فحسب، بل لعبت أيضاً دوراً بالغ الأهمية في توفير التلقين الفكري والتمويل والحماية السياسية للإرهاب.

وتأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا عام 1928، ومنذ بدايتها عملت كمنظمة سرية تنخرط في إنشاء مجموعات واجهة علنية، وتعمل على إعداد عناصر مؤثرة، وتسعى للسيطرة على المؤسسات الدينية، وتنخرط في أعمال تخريب سياسي، فضلاً عن إنشاء منظمات فرعية يمكن إنكار صلتها بها ومكرسة للإرهاب، وكل ذلك سعياً وراء هدفها النهائي: إسقاط الحكومات وإعادة إقامة خلافة عالمية تعمل وفق الشريعة الإسلامية، بحسب شيدلر.

وأشار إلى أن جماعة الإخوان في الولايات المتحدة، شأنها شأن فروع الجماعة في مختلف أنحاء العالم، أنشأت ومولت شبكات لدعم حركة حماس من خلال لجان فلسطين، بتوجيه من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، بدءاً من عام 1983.

وكانت أبرز المنظمات التابعة للجنة فلسطين في الولايات المتحدة، مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، ذات أهمية كبيرة إلى درجة أن إنشاءها ونظامها الأساسي حصلا على موافقة صريحة من قيادة جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

وكشفت وثائق مؤسسة الأرض المقدسة والوثائق ذات الصلة أنه في مرحلة من المراحل كان واحد من كل أربعة مساجد أمريكية خاضعاً لنفوذ الصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية (NAIT) المرتبط بحماس.

وكان أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، بمن فيهم أشخاص أُدين بعضهم بتهم تتعلق بالإرهاب، مثل سامي العريان وعبد الرحمن العمودي، يعملون بانتظام على التأثير في قادة الحزبين السياسيين الأمريكيين.

كما قامت منظمات مرتبطة بجماعة الإخوان بتجنيد وتدريب أئمة ومرشدين دينيين للعمل في السجون الأمريكية وفي الجيش الأمريكي.

وفي عام 2008، كانت الحكومة الأمريكية تمتلك أسماء ورتب معظم الشخصيات القيادية في جماعة الإخوان المسلمين داخل الولايات المتحدة.

وقالت لورا بيرنز منصب رئيسة أبحاث الإرهاب في برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، إن البنى التحتية الداعمة للمنظمات الإرهابية الأجنبية موجودة داخل الولايات المتحدة منذ عقود، وهي تعمل من خلال شبكات للدعم المالي والدعائي والتنظيمي، وغالباً ما تختبئ تحت غطاء العمل الخيري أو المناصرة أو النشاط السياسي.

وثائق

في السياق نفسه، قالت أرييل كليبوك المستشارة القانونية الأولى لشؤون التقاضي في المركز الوطني للمناصرة اليهودية، ومدعية اتحادية سابقة، إنه في عام 2004، صادر مكتب التحقيقات الفيدرالي مذكرة من منزل عضو جماعة الإخوان المسلمين وأمين أرشيف حماس في الولايات المتحدة، إسماعيل البرعصي.

وكانت المذكرة، التي كُتبت عام 1991، تصف عمل جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة بأنه، بحسب الاقتباس الوارد فيها، «نوع من الجهاد للقضاء على المجتمع الغربي وتدميره من الداخل».

وفي عام 1993، وبعد الإعلان عن اتفاقيات أوسلو للسلام، وهي اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، اجتمع أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس في فيلادلفيا لمناقشة خطتهم لإفشال الاتفاق.

وقد تنصت مكتب التحقيقات الفيدرالي على الاجتماع، حيث اقترح المشاركون إنشاء منظمة تحمل اسماً يبدو محايداً بهدف خداع الأمريكيين، وهذه المنظمة هي مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR). وبعد 35 عاماً، تعمل خطتهم بالطريقة التي صُممت لها تماماً.

وقد ظهر المدير التنفيذي الحالي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية والمشارك في اجتماع عام 1993، نهاد عوض، في فعاليات للاتحاد الدولي لعلماء المسلمين، وألقى تأبيناً لإرهابي مصنف من قبل الولايات المتحدة، كان أيضاً الزعيم الروحي لأسامة بن لادن، كما احتفل علناً بقتل حماس للمدنيين.

زر الذهاب إلى الأعلى