إيران

إيران بعد الحرب مع واشنطن.. صراع داخلي يشتعل على أكثر من جبهة


 رغم نجاح النظام الإيراني في تجاوز اختبار عسكري صعب خلال المواجهة التي استمرت ثلاثة أشهر مع الولايات المتحدة وحلفائها، فإن التحديات الداخلية التي تلوح في الأفق قد تكون أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها، فمع اقتراب توقيع مذكرة تفاهم لإنهاء النزاع وبدء مرحلة جديدة من المفاوضات مع واشنطن، تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين تهدئة غضب الشارع المنهك اقتصاديًا والحفاظ على دعم التيار المحافظ المتشدد الذي خرج من الحرب أكثر نفوذًا وثقة.

وخلال فترة الحرب، تمكنت السلطات من حشد مؤيديها وتعزيز خطاب الصمود والمواجهة، وهو ما منح القوى المحافظة المتشددة شعورًا بأن نهجها أثبت صحته. ويرى كثير من هؤلاء أن إيران خرجت منتصرة من المواجهة، وأن الوقت حان لترجمة هذا “الانتصار” إلى سياسات أكثر تشددًا تجاه الغرب، مع إعطاء الأولوية لإعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز النفوذ الأمني للدولة.

في المقابل، تتطلع قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى نتائج مختلفة تمامًا، فبعد سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية والضغوط المعيشية، ثم الأضرار التي خلفتها الحرب الأخيرة، يترقب المواطنون أي انفراج اقتصادي قد ينتج عن الاتفاق المرتقب مع الولايات المتحدة.

ويأمل كثيرون في أن تُوجَّه أي أموال أو أصول يتم الإفراج عنها إلى تحسين مستوى المعيشة وإعادة تنشيط الاقتصاد المتعثر، بدلًا من تخصيصها بالكامل للأغراض العسكرية أو الأمنية.

ويحذر خبراء ومراقبون من أن هذه التوقعات المتباينة قد تضع القيادة الإيرانية أمام اختبار سياسي حساس، فبينما يطالب المتشددون بمواصلة نهج المواجهة والحفاظ على مكتسبات الحرب، ينتظر الشارع خطوات ملموسة لمعالجة التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات البطالة وتكاليف المعيشة.

وبحسب مسؤولين إيرانيين تحدثوا لوسائل إعلام دولية، فإن الحكومة تدرك حجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، وتعي أن أي انفراج مالي محتمل يجب أن ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. وتشير تقديرات إلى أن جزءًا من الأموال التي قد تحصل عليها طهران نتيجة تخفيف العقوبات أو استعادة أصول مجمدة سيوجه إلى إعادة الإعمار، وتعزيز السيولة في القطاع المصرفي، وتمويل برامج دعم اقتصادي تستهدف الحد من تداعيات الأزمة المعيشية.

غير أن المسؤولين أنفسهم يقرون بأن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصًا إذا فشلت السلطات في تلبية توقعات الشارع خلال فترة زمنية معقولة، فذكريات الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية ما زالت حاضرة بقوة، كما أن الأزمة الاقتصادية المزمنة خلقت حالة من التذمر الشعبي قد تعود إلى الواجهة إذا لم تتحسن الأوضاع.

ويعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات من تحديات كبيرة ناجمة عن العقوبات الدولية والعزلة المالية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وزادت الحرب الأخيرة من حجم الأعباء بعدما تسببت بأضرار في قطاعات صناعية وبنى تحتية تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها.

وينتظر التيار المحافظ المتشدد ما يعتبره “مكافأة سياسية” بعد دعمه للنظام خلال الحرب. ويضم هذا التيار قوى سياسية ودينية وإعلامية نافذة، إضافة إلى شخصيات بارزة في البرلمان ومؤسسات الدولة. وبينما يبدو الحرس الثوري مستعدًا لدعم اتفاق يوفر متنفسًا اقتصاديًا للجمهورية الإسلامية، تبدي بعض المجموعات الأكثر تشددًا تحفظات على الانفتاح تجاه واشنطن، معتبرة أن التفاوض مع الولايات المتحدة بعد الحرب يمثل تنازلًا غير مبرر.

وتزداد حساسية هذا الموقف في ظل المشاعر التي خلفتها الحرب داخل الأوساط المحافظة، حيث يرى بعض المتشددين أن أي اتفاق مع واشنطن يجب أن يكون مشروطًا بالحصول على مكاسب أكبر أو بضمانات سياسية وأمنية أوسع.

ويرى محللون أن المؤسسة الحاكمة ستسعى خلال المرحلة المقبلة إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والحفاظ على تماسك قاعدتها السياسية. كما يرجح أن تستمر في منح المجتمع بعض المساحات الاجتماعية التي فرضتها التحولات الأخيرة، مع الإبقاء على نهج صارم تجاه أي تحركات سياسية أو احتجاجات قد تُفسَّر على أنها تهديد لاستقرار النظام.

وفي هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن صعود نفوذ الحرس الثوري خلال الحرب عزز دوره في رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء في الملفات الأمنية أو السياسية. كما أن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد إعادة ترتيب لموازين القوى داخل النظام، خصوصًا مع بروز أسماء جديدة في مراكز القرار وتزايد أهمية المؤسسات الأمنية في إدارة التحديات الداخلية.

وبين آمال الإيرانيين بتحسن اقتصادي سريع وتطلعات المحافظين المتشددين إلى ترسيخ نتائج الحرب سياسيًا وأمنيًا، تبدو القيادة الإيرانية أمام مرحلة دقيقة تتطلب إدارة توازنات معقدة، فنجاحها في احتواء هذه التناقضات سيحدد إلى حد كبير شكل الاستقرار الداخلي ومستقبل العلاقة مع الغرب خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى