الردع الأوروبي بعيد المدى.. تحديات وقدرات غير مكتملة
تراجع أمريكا عن نشر صواريخ “توماهوك” في أوروبا يكشف عن واحدة من أخطر نقاط الضعف البنيوية التي تعاني منها القارة في منظومتها الدفاعية.
كما يسلط الضوء على فجوة استراتيجية طالما ظلت مستترة خلف المظلة العسكرية الأمريكية، بحسب صحيفة «تليغراف» البريطانية.
فعندما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في يوليو/تموز 2024 عزمها نشر صواريخ “توماهوك” في ألمانيا، بدا القرار آنذاك بمثابة تطمين استراتيجي لحلفاء واشنطن في أوروبا، ورسالة واضحة تؤكد استمرار الالتزام الأمريكي بأمن القارة في مواجهة التهديدات الروسية.
إلا أن ما لم يُعلن صراحة في حينه، هو أن هذه الخطوة لم تكن مجرد استعراض للقوة أو تعزيز رمزي لحلف الناتو، بل كانت تهدف إلى سد ثغرة قاتلة في البنية الدفاعية الأوروبية، تتمثل في غياب قدرة برية فعالة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى ضد أهداف استراتيجية داخل العمق الروسي، وفق الصحيفة.
ورغم امتلاك بعض الدول الأوروبية ترسانات صاروخية متقدمة، سواء بحرية أو جوية، فإن القارة ظلت تفتقر إلى منظومة صاروخية أرضية بعيدة المدى قادرة على توفير عنصر الردع الفوري والمباشر.
وهذا القصور جعل الدفاع الأوروبي يعتمد بشكل شبه كامل على القدرات الأمريكية في موازنة التفوق الروسي في هذا المجال، خصوصاً مع امتلاك موسكو منظومات هجومية بعيدة المدى، على رأسها الصاروخ الباليستي الروسي “آر إس-28 سارمات”.
وهذا الصاروخ يمنح الكرملين قدرة ردع هجومية تتجاوز بكثير ما هو متاح حالياً داخل الترسانة الأوروبية.
توازن هش
غير أن هذا التوازن الهش تعرض لاهتزاز عنيف بعدما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء صفقة تسليم صواريخ “توماهوك” إلى ألمانيا، في خضم توتر سياسي متصاعد بين واشنطن وبرلين.
والقرار لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل كشف بوضوح هشاشة الاعتماد الأوروبي المزمن على المظلة الأمريكية، ووضع ألمانيا، ومعها القارة بأكملها، أمام حقيقة صعبة مفادها أن الردع الأوروبي لا يزال ناقصاً وعاجزاً عن العمل باستقلالية في الملفات الأكثر حساسية.
وأمام هذا الواقع، وجدت برلين نفسها مضطرة إلى التحرك على عدة مسارات متوازية، فمن جهة، تسعى برلين إلى إعادة فتح قنوات التفاوض مع واشنطن لشراء الصواريخ الأمريكية بشكل مباشر، رغم إدراكها أن أي صفقة من هذا النوع ستظل رهينة للقيود السياسية الأمريكية، سواء من حيث الاستخدام أو إعادة التصدير.
ومن جهة أخرى، بدأت ألمانيا تنظر إلى التعاون العسكري مع أوكرانيا بوصفه حلاً انتقالياً قد يساهم في تطوير قدرات هجومية بعيدة المدى، عبر مشاريع مشتركة للطائرات المسيّرة القادرة على ضرب أهداف استراتيجية في العمق المعادي.
رهان
لكن الرهان الحقيقي يبقى على المشروع الأوروبي المشترك المعروف باسم “النهج الأوروبي للضربات بعيدة المدى”، الذي يضم عدداً من القوى العسكرية الكبرى في القارة، من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا والسويد والمملكة المتحدة.
ويهدف البرنامج إلى تطوير صاروخ أوروبي بمدى يصل إلى ألفي كيلومتر بحلول عام 2030. إلا أن هذا المشروع، رغم أهميته، لا يزال يواجه تحديات تقنية وسياسية ولوجستية معقدة، تبدأ من التمويل والتنسيق الصناعي، ولا تنتهي عند غياب بنية قيادة وسيطرة أوروبية مستقلة قادرة على إدارة عمليات الاستهداف والتوجيه.
وتتجاوز المشكلة مسألة امتلاك الصاروخ ذاته؛ فالقوة الصاروخية بعيدة المدى تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل أقماراً صناعية للاستطلاع والاتصال، وقدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية، وشبكات دفاع جوي قادرة على حماية منصات الإطلاق، وهي عناصر لا تزال أوروبا تعاني فجوات واضحة فيها.
ولهذا، يرى خبراء الأمن الأوروبي أن أزمة “توماهوك” ليست سوى عرض لأزمة أعمق تتعلق بالعجز الهيكلي للقارة عن بناء ردع استراتيجي مستقل بعد عقود من الاتكال على الحماية الأمريكية.
ووفقا للصحيفة ذاتها، لم يعد السؤال المطروح داخل العواصم الأوروبية يتعلق فقط بكيفية تعويض صواريخ لم تصل، بل بكيفية إعادة بناء عقيدة دفاعية كاملة تستطيع الصمود في عالم يتراجع فيه اليقين بشأن استمرار الالتزام الأمريكي.
فالثغرة الأخطر التي كشفتها الأزمة ليست غياب منظومة تسليحية بعينها، بل انكشاف حقيقة أن أوروبا، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية، لا تزال تفتقر إلى أحد أهم عناصر السيادة الحديثة: القدرة الذاتية على الردع بعيد المدى.
