أمريكا

ترامب يهدد وطهران تلوّح بالرد.. هل يصبح حلفاء واشنطن وقود المواجهة؟


يثير تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هجمات جديدة على إيران مخاوف حلفاء الولايات المتحدة في الخليج من احتمال تجدد الحرب، بما يحمله ذلك من مخاطر تعرضهم لرد إيراني واسع، في مفارقة تتمثل في تحول القواعد العسكرية الأميركية التي أقيمت لحمايتهم إلى أهداف تستجلب الهجمات عليهم.

وكشفت الصواريخ الإيرانية التي استهدفت قواعد ومنشآت للطاقة في الخليج خلال جولة القتال السابقة عن ثغرات في الهيكل الأمني الذي بنته واشنطن في المنطقة على مدى عقود، فبدلا من أن يشكل الوجود العسكري الأميركي عامل ردع كافيا لطهران، أتاح انتشاره الإقليمي الواسع لإيران أهدافا ثابتة ونقاط ضغط يمكن استغلالها في الدول الخليجية التي تستضيف تلك القواعد.

وكان هذا الاحتمال محور المناقشات بين الوزراء وصناع السياسات والمسؤولين الأمنيين خلال مؤتمر حوار المنامة السنوي، الذي استضافته البحرين مطلع الأسبوع، حيث بحث المشاركون تداعيات جولة جديدة من المواجهة على القوات الأميركية والدول المضيفة لها.

وتزايدت المخاوف بعدما جدد ترامب التهديد باللجوء إلى الخيار العسكري، متحدثا عن احتمال تنفيذ “عملية صغيرة أخرى من ملحمة الغضب” بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة الثلاثاء.

وقال أربعة مسؤولين أوروبيين إن واشنطن حشدت قوات وعتادا كافيين في المنطقة لشن هجوم على إيران في أي وقت، وربما خلال الأسبوع الجاري.

ونقل عن مسؤول أوروبي خامس، على اتصال وثيق بقادة خليجيين، قوله إن “الحرب قادمة. لا أحد يؤيد هذه الحرب”.

وحذر وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، خلال المؤتمر، من أن “الجولة القادمة ستكون أكثر خطورة وأكثر تدميرا، ولن تؤدي إلى أي نتيجة”.

من مظلة حماية إلى مصدر تهديد

وقال مسؤولان أوروبيان إن أي هجوم أميركي محتمل قد يستهدف المواقع النووية الإيرانية، بما فيها منشآت البحث والتطوير. ومن بين المواقع المطروحة جبل بيكاكس، المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، غير أن المسؤولين رجحوا أن تؤدي الضربات إلى إضعاف قدرات طهران من دون القضاء عليها.

في المقابل، قال مسؤولون إيرانيون إن بلادهم تعد قوائم مفصلة بالأهداف التي قد تستهدفها ردا على أي هجوم أميركي إسرائيلي جديد، وتشمل كابلات الاتصالات البحرية والقواعد العسكرية، بما فيها مواقع سرية.

ولا تقتصر تداعيات هذا السيناريو على المنشآت العسكرية، إذ قد تمتد المواجهة إلى البنية التحتية الحيوية في الخليج، بما يشمل منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه وشبكات الاتصالات والمواقع البارزة في المدن، وهو ما يوسع نطاق الأضرار المحتملة خارج ساحات المواجهة المباشرة.

ما يهم إيران في نهاية المطاف هو رحيل القوات الأميركية من المنطقة.

ورغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فإن طهران، بحسب ثلاثة مندوبين، لا تحتاج إلى مجاراة خصومها عسكريا لتحقيق أهدافها، إذ تعتمد استراتيجيتها على الاستنزاف، من خلال رفع كلفة حماية القوات الأميركية والإبقاء على وجودها في المنطقة، وتحويل الدول المضيفة إلى نقاط ضغط، فضلا عن توظيف أي تقليص للانتشار الأميركي باعتباره دليلا على محدودية قدرة واشنطن على حماية شركائها.

وقال إميل حكيم، مدير الأمن الإقليمي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الجهة المنظمة لمؤتمر حوار المنامة، إن ما يهم إيران في نهاية المطاف هو رحيل القوات الأميركية من المنطقة.

وأضاف لرويترز أن رسالة طهران إلى دول الخليج تتمحور حول أن استثماراتها الأمنية الممتدة أربعة عقود في الولايات المتحدة لم توفر لها الحماية، بل جعلتها أكثر عرضة للخطر.

وتبرز هذه المعضلة بصورة خاصة في البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي وتشكل منذ عقود إحدى ركائز الانتشار العسكري في المنطقة. ولا تزال آثار الضربات التي طالت محيط القاعدة البحرية في منطقة الجفير ظاهرة على مقربة من الأحياء السكنية، حيث لحقت أضرار واحتراقات بأسقف مستودعات وواجهاتها، فيما تضرر رادار موجه نحو إيران وفقد جزءا من طبق الاستقبال.

وتعيد هذه الأضرار طرح تساؤلات أمام واشنطن بشأن مستقبل انتشارها العسكري، وما إذا كان يتعين إعادة بناء منشآتها أو تعزيز تحصيناتها أو إعادة النظر في حجم وجودها، الذي صمم أساسا لإظهار القوة الأمريكية، وليس لمواجهة هجمات صاروخية وطائرات مسيرة متواصلة.

الخليج في مرمى تداعيات المواجهة

وفي البحرين، تتداخل المخاوف الأمنية مع حساسيات طائفية وتاريخ من التوترات السياسية، ففي عام 2011، شهدت المملكة احتجاجات واسعة قادها الشيعة إلى حد كبير ضد حكم أسرة آل خليفة السنية. وتمكنت السلطات من احتواء الاحتجاجات، متهمة إيران بالوقوف وراء الاضطرابات وتأجيجها، وهو ما نفته طهران.

وقال مسؤول خليجي لرويترز إن المنطقة تواجه “أسوأ سيناريو ممكن”، متوقعا أن تدفع الضربات الأميركية طهران إلى الرد باستهداف البنية التحتية المدنية في دول الخليج.

التحدي بالنسبة لدول الخليج لم يعد مقتصرا على ضمان استمرار الالتزام الأميركي بأمن المنطقة، بل امتد إلى التساؤل عن طبيعة هذه الضمانات وفاعليتها

وأشار مسؤول آخر إلى أن قرار تجدد الصراع ومستوى التصعيد المرتقب باتا في نهاية المطاف بيد شخص واحد، في إشارة إلى ترامب، بما يعكس محدودية تأثير دول الخليج في مسار مواجهة قد تتحمل جانبا كبيرا من تبعاتها.

وردا على أسئلة بشأن هذا التقرير، قال مسؤول في البيت الأبيض إن “جميع الخيارات” لا تزال مطروحة، وإن أمام إيران خيارين “الطريق السهلة أو الصعبة”، مضيفا أن ترامب “يمسك بزمام كل الأمور”.

وفي هذا السياق، أوضح حكيم أن الاستراتيجية الإيرانية تستهدف إنهاك الولايات المتحدة، لا تحقيق انتصار عسكري مباشر، من خلال دفعها إلى استهلاك مزيد من الأسلحة والموارد المالية ورفع كلفة الحفاظ على وجودها العسكري في المنطقة.

تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد

وفي مواجهة هذه المخاطر، تكثف دول الخليج تحركاتها الدبلوماسية لتجنب عودة المواجهة. وأجرى مسؤولون رفيعو المستوى من السعودية وتركيا وباكستان محادثات مع مسؤولين إيرانيين في طهران الشهر الماضي، قالت الرياض إنها تندرج في إطار الجهود الرامية إلى منع تجدد التصعيد العسكري.

كما عقد مسؤولون قطريون اجتماعات في طهران والدوحة مطلع الأسبوع، في مسعى لاحتواء التوتر والحيلولة دون اندلاع جولة جديدة من الحرب.

وقال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، خلال مؤتمر حوار المنامة، إن بلاده تأمل في تحقيق اختراق دبلوماسي، مؤكدا أنها لا ترغب في رؤية جولة أخرى من المواجهة في المنطقة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الإمارات “تستعد للأسوأ”.

وفي المقابل، نقل مسؤول أوروبي مقرب من قادة خليجيين أن تشاؤما عميقا يسود بشأن فرص نجاح الدبلوماسية في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، إلى حد بات معه تجدد الحرب ينظر إليه باعتباره مسألة وقت.

وبذلك، لم يعد التحدي بالنسبة لدول الخليج مقتصرا على ضمان استمرار الالتزام الأميركي بأمن المنطقة، بل امتد إلى التساؤل عن طبيعة هذه الضمانات وفاعليتها، في وقت أصبحت فيه القواعد والمنشآت التي تستند إليها جزءا من قائمة الأهداف المحتملة لأي مواجهة جديدة.

وفي ظل اختلال موازين القوة العسكرية، قد لا يتحدد مسار الصراع بحجم الأضرار التي يستطيع كل طرف إلحاقها بالآخر بقدر ما يرتبط بقدرته على تحمل كلفة المواجهة لفترة أطول. وبالنسبة إلى دول الخليج، تكمن المخاوف في أن تجد نفسها مرة أخرى في قلب حرب لم تكن صاحبة قرار إشعالها، لكنها قد تتحمل قسطا كبيرا من تداعياتها.

زر الذهاب إلى الأعلى