موريتانيا في مواجهة تداعيات تصاعد الإرهاب في مالي
لسنوات اعتبرت موريتانيا نموذجا ناجحا في مكافحة الإرهاب، لكن تمدد الإرهاب في دول الغرب الأفريقي وحول بحيرة تشاد بات يؤرقها.
ففي العام الماضي، وسعت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التي تعد فرعا لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، نطاق عملياتها في المدن والقرى الواقعة على طول الحدود الجنوبية الشرقية لموريتانيا ويقول السكان المحليون إن التهديد المباشر لاستقرار البلاد يأتي من جارتها مالي، بحسب تقرير نشرته منصة “ريسبونسِبل ستايت كرافت”، وهي منصة تحليلية إخبارية أمريكية.
وأشار التقرير إلى أن هجمات منسقة هزت مالي في 25 أبريل/نيسان الماضي، حيث استهدف إرهابيون ومتمردون انفصاليون عدة مدن، بما فيها العاصمة، واغتالوا وزير الدفاع، مما دفع قوات مالي وقوات الفيلق الروسي إلى الانسحاب من قواعد رئيسية شمال البلاد.
وفي 4 يوليو/تموز، شنّ المتمردون هجومًا ثانيًا أصغر حجمًا، استهدف مدنًا في وسط وشمال البلاد ومع تصاعد حدة الوضع، تدرس الولايات المتحدة شن غارات جوية هناك.
لكن الصراع في مالي لم يعد محصورًا داخل حدودها فتدفقات اللاجئين، والعمليات العسكرية عبر الحدود، وتدهور العلاقات بين باماكو ونواكشوط، تشكل ضغوطًا جديدة على موريتانيا، خاصة في المناطق الحدودية الهشة وإذا لم يتم كبح هذه التوترات، فقد تقوض المكاسب الأمنية التي حققتها موريتانيا لأكثر من عقد وذلك وفقا لما ذكره موقع “ريسبونسيبل ستايت كرافت”.
وتتميز موريتانيا باستقرارها النسبي في منطقة مضطربة، فلم تشهد أي هجوم إرهابي منذ 15 عامًا لكن ومع تحسن الوضع الأمني تورطت جارتها مالي في سلسلة من الأزمات.
ففي 2012، أوشك متمردو الطوارق على إسقاط الدولة، مما دفع فرنسا إلى نشر قواتها وبعدها بدأت بعض فصائل المتمردين بالتعاون مع جماعات تابعة للقاعدة، مما أدى إلى ظهور وجود إرهابي محلي متجذر وبحلول فبراير/شباط الماضي، فر أكثر من 300 ألف لاجئ من مالي إلى موريتانيا، مما أرهق مواردها.
والوضع على طول الحدود معقد للغاية إذ يشعر الموريتانيون بالقلق إزاء تدفق اللاجئين في المقابل، يشك الماليون في نواكشوط ويتهمونها بأنها قاعدة خلفية للإرهابيين بعد تقارير تزعم أنها أبرمت اتفاقية عدم اعتداء مع فروع تنظيم القاعدة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تربط البلدين علاقات وثيقة عابرة للحدود وترتبط المجتمعات الحدودية بعلاقات عائلية ومالية كما تمتد الطرق التجارية على طول الحدود التي يزيد طولها على ألف ميل ويرعى ما يقارب 70% من الماشية الموريتانية في مالي سنويًا.
لكن قوات مالي وفيلق أفريقيا تواجه اتهامات بقتل عشرات الرعاة الموريتانيين منذ يناير/كانون الثاني الماضي، ويفيد مسؤولون محليون في منطقة غيديماخا الموريتانية بوقوع ما لا يقل عن 12 حالة اختفاء منذ ذلك الحين، تاركين ذويهم في حيرة من أمرهم بشأن مصيرهم.
ورغم تحذيرات الحكومة، يواصل الرعاة عبور الحدود إلى مالي، وهو أمر ضروري في بلد تشكل فيه الثروة الحيوانية نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى عكس المتوقع، يستطيع الرعاة المرور عبر المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين، لكنهم يتعرضون للعنف في المناطق الخاضعة لسيطرة باماكو، وهو ما يمكن تفسيره بقدرة الإرهابيين على التفاوض على دفعات عينية مقابل ضمان المرور الآمن عبر منطقة ما أو الحصول على مراعي فيها.
كما وردت أنباء عن توغل قوات مالي في الأراضي الموريتانية حيث تستهدف عمليات القوات المسلحة المناطق الحدودية في قرى مثل ميلغا وغوغي.
ويرى السكان المحليون أن عمليات قوات مالي وقوات فيلق أفريقيا هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار.
ويؤدي تفاقم انعدام الأمن في مالي إلى تعقيد الوضع الهش أصلًا حيث فشل الجيش أكثر من مرة في حماية المراكز السكانية من الهجمات، مما يُظهر مدى هشاشة سيطرته الفعلية على الأراضي.
هذا الوضع يجعل الموريتانيين عرضة للخطر ولم تفلح الدبلوماسية في إنهاء المشكلة خاصة بعدما عزلت السلطة العسكرية في مالي نفسها عن دول الجوار، بما فيها الجزائر وساحل العاج، ويبدو أنها عازمة الآن على فعل الشيء نفسه مع موريتانيا كما تزيد الاضطرابات الحالية من صعوبة استئناف الجهود الدبلوماسية.
ومع تدهور الوضع الأمني وسعي جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إلى تقديم نفسها كبديل للدولة في مالي، قد تشكل هجمات الجيش المالي على الأراضي الموريتانية خطراً داهما.
وأثبت امتداد الصراع خارج حدود مالي أنه كارثي على الأمن الإقليمي ففي 2025، صنف مؤشر الإرهاب العالمي بوركينا فاسو، المجاورة لمالي، كأكثر الدول تضررًا من الإرهاب للعام الثالث على التوالي كما شنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجومًا على قاعدة جوية عسكرية في عاصمة النيجر مطلع الشهر الجاري.
ومع اتساع رقعة الصراع، يدق القادة الأمريكيون ناقوس الخطر ففي أواخر مايو/أيار، وصف قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) منطقة غرب أفريقيا بأنها “ثقب أسود استخباراتي”، وقال إن الإرهابيين في المنطقة يهددون الأفراد والمنشآت والمصالح الأمريكية وسيؤدي وجود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في موريتانيا إلى تعقيد المشهد الاستخباراتي وتفاقم المشكلة.
وينبغي على واشنطن مراقبة الوضع، مع العلم أن الحل يقع في النهاية على عاتق مالي وموريتانيا، وهو ما يتطلب مشاركة مستمرة وعودة إلى الحوار المنتظم.
ويمكن للدولتين الاعتماد على اللجنة الوزارية المشتركة بين مالي وموريتانيا، أو إعادة تفعيل لجنة فنية لترسيم الحدود، للمساعدة في الحد من سوء الفهم في المناطق النائية حيث يوجد المدنيون والجنود والمسلحون على مقربة من بعضهم.
كما ينبغي على باماكو بذل جهد لإظهار ضبط النفس خلال عمليات مكافحة الإرهاب، وعلى نواكشوط أن تظل منفتحة على الحوار إذا رغبت في معالجة انعدام الثقة والريبة في مالي.
