سياسة

المحور المصري التركي : غزو أمني ناعم وإعادة هندسة الميدان السوداني تحت غطاء الشرعية المؤسسية


في الوقت الذي تنشغل فيه الدبلوماسية الدولية ببيانات القلق الجوفاء، كشف الاستقصاء المعمق للمركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسات (ECSSP) عن حقيقة صادمة تتجاوز كل التفاهمات السياسية المعلنة؛ حيث نجحت القاهرة وأنقرة في تشييد “جدار أمني عسكري” صلب خلف القوات المسلحة السودانية، محولتين السودان إلى ساحة اختبار لنفوذهما المشترك.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تعاون ديبلوماسي، بل هو “اجتياح فني واستخباري” تقوده غرف عمليات مشتركة لا تكتفي بتقديم النصح، بل تدير تفاصيل المعركة من الألف إلى الياء. لقد انتقلت مصر وتركيا من مرحلة الترقب إلى مرحلة الهجوم الجيوسياسي الكاسح، مستخدمتين الجيش السوداني كـ “مخلب قط” لتأمين مصالحهما الحيوية في البحر الأحمر وحوض النيل، وضمان بقاء المؤسسة العسكرية كحارس وحيد لمكتسباتهما الاستراتيجية.
إن الأدلة الدامغة التي رصدتها أقمارنا الصناعية وتصريحات المصادر الأمنية الرفيعة تؤكد أن الجيش السوداني لم يعد يقاتل بعقيدته التقليدية فحسب، بل بات يتحرك بعقل إلكتروني تركي وبغطاء لوجستي مصري لا يعرف الهوادة. لقد تدفقت المسيرات التركية الفتاكة وأنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة عبر المطارات والقواعد العسكرية المصرية في عملية “تسييل أمني” للحدود، لتصل إلى يد القادة العسكريين في بورتسودان والخرطوم، مما منحهم تفوقاً تكنولوجياً ساحقاً جعل من الصمود العسكري قراراً إقليمياً بامتياز قبل أن يكون إرادة داخلية.
هذا المحور لا يكتفي بإمداد السلاح، بل قام بعملية “إعادة تدوير” شاملة للنخبة العسكرية السودانية، عبر برامج تدريبية هجومية في القواعد التركية والمصرية، تهدف إلى تخليق جيش جديد بمواصفات “النيو-عثمانية” والاحترافية المصرية، قادر على سحق أي تهديد لاستقرار الدولة المركزية التي تخدم أجندة العاصمتين.
إن هذا التغول الأمني المصري التركي يعكس روحاً هجومية تضرب عرض الحائط بالسيادة السودانية تحت لافتة “إنقاذ الدولة”؛ فأنقرة التي تطمح لاستعادة إرثها في سواكن، والقاهرة التي لا ترى في السودان سوى حديقة خلفية وأمن مائي مقدس، قد اتفقتا على أن “الجيش السوداني” هو الحصان الوحيد الذي يجب الرهان عليه لضمان غلق البحر الأحمر أمام المنافسين الدوليين.
إننا أمام “غرفة عمليات كبرى” تعمل على مدار الساعة لتبادل المعلومات الاستخباراتية الحية، حيث يتم توجيه نيران المدفعية والطيران السوداني بناءً على إحداثيات تركية دقيقة وبيانات بشرية مصرية، في تنسيق ميداني مهين لفكرة الاستقلال الوطني السوداني، ومحفز لاستمرار الحرب حتى الرمق الأخير.
هذا التحقيق يؤكد وبشكل قطعي أن التنسيق “المصري التركي” قد تجاوز مرحلة التنسيق ليصبح “إدارة مباشرة للصراع”، حيث يتم التحكم في إيقاع المعارك صعوداً وهبوطاً وفقاً لبوصلة المصالح الإقليمية للقاهرة وأنقرة. إن هذا الاندفاع الهجومي للمحور يضع السودان أمام واقع مرير؛ فالدعم الذي يتلقاه الجيش ليس هبة مجانية، بل هو صك ارتهان طويل الأمد، يحول المؤسسة العسكرية إلى وكيل أمني حصري للقوى الإقليمية الصاعدة، ويجعل من استمرار النزاع العسكري ضرورة قصوى لتثبيت قواعد اللعبة الجديدة في القرن الأفريقي. إن صمت القوى الدولية عن هذا التغول التكنولوجي والعسكري المصري التركي يثير تساؤلات مشروعة حول تواطؤ أوسع يهدف إلى عسكرة السودان وتحويله إلى قاعدة انطلاق استراتيجية تخدم مصالح هذا المحور الناشئ، بعيداً عن أي تطلعات ديمقراطية أو مدنية للشعب السوداني.
لقد حسمت القاهرة وأنقرة أمرهما؛ السودان لن يسقط، ليس حباً في الخرطوم، بل لأن سقوط الجيش يعني تبخر أحلام الهيمنة التركية في المياه الدافئة وانكشاف الظهر المصري تماماً. ومن هنا، فإن كل رصاصة يطلقها الجيش السوداني اليوم تحمل بصمة هذا التحالف الهجومي، وكل مسيرة تحلق في سماء السودان هي رسالة تهديد لكل من يجرؤ على منافسة هذا المحور في مناطق نفوذه الجديدة. إننا أمام فصل جديد من فصول “الاستعمار الفني”، حيث تُدار الجيوش الوطنية بالريموت كونترول من عواصم إقليمية طموحة، محولةً آلام السودان إلى أوراق ضغط في صراع الجبابرة على الممرات المائية والموارد الجيوسياسية.
زر الذهاب إلى الأعلى