سياسة

تحالف الساحل الإفريقي.. هل ينهار تحت ضغط الأمن المتدهور؟


اعتبر خبراء سياسيون أن غياب الدعم العسكري من بوركينا فاسو والنيجر لمالي خلال الهجمات الإرهابية الأخيرة، يكشف عن تصدعات مقلقة داخل تحالف دول الساحل.

ويثير غياب الدعم تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التكتل الأمني في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.

تحالف دول الساحل في اختبار أزمة مالي

وقال الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الساحل، مارك-أنطوان بيروز دو مونكلو إن ما حدث في مالي “ليس مجرد تأخر في الاستجابة، بل هو مؤشر بنيوي على هشاشة التحالف”.

وأوضح أن تحالف دول الساحل تأسس أساسًا كرد فعل سياسي على العزلة الدولية والضغوط الغربية، وليس نتيجة تكامل عسكري حقيقي، مضيفاً: “أن الجيوش الثلاثة تعاني من ضعف لوجستي واستخباراتي مزمن”.

وأشار إلى أن “التنسيق العملياتي بينها لا يزال محدودًا وشكليًا، كون كل نظام عسكري يضع بقاءه الداخلي أولوية مطلقة”.

وأكد مونكلو أن عدم تدخل بوركينا فاسو والنيجر خلال الهجوم يعود إلى “حسابات بقاء”؛ حيث تخشى هذه الأنظمة استنزاف قواتها في جبهات خارجية بينما تواجه تهديدات داخلية مشابهة، محذراً من أن “استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين أطراف التحالف، وتآكل مصداقيته أمام الشعوب، وتحوله إلى تحالف سياسي رمزي أكثر منه أمنياً فعالاً”.

وكانت صحيفة “لوموند” الفرنسية قد ذكرت أنه خلال الهجمات الإرهابية والانفصالية التي وقعت نهاية إبريل/نيسان الماضي في مالي، لم ترسل كل من بوركينا فاسو والنيجر قوات عسكرية لدعم نظام باماكو، رغم أن ميثاق “تحالف دول الساحل”(AES) ينص صراحة على “واجب المساندة والإغاثة” المتبادلة.

وفي السياق ذاته، حضر الجنرال سيليستين سيمبوري، وزير الدفاع في بوركينا فاسو، إلى باماكو لتقديم واجب العزاء لنظيره المالي السابق، الجنرال ساديو كامارا، الذي قُتل قبل خمسة أيام خلال هجوم واسع شنته جماعات إرهابية تابعة لـ”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، إلى جانب عناصر انفصالية من “جبهة تحرير أزواد” في عدة مناطق من البلاد.

وأمام نعش رفيقه المغطى بالعلم المالي، تعهّد سيمبوري -متحدثًا باسم تحالف دول الساحل الذي يضم الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر- بـ”ملاحقة” منفذي الهجوم حتى “آخر معاقلهم”.

بدوره، قال الباحث الفرنسي الأمريكي أليكس ثورستون، المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة في الساحل إن الأزمة الحالية تمثل “لحظة مفصلية” في مستقبل التحالف.

واعتبر ثورستون أن غياب التدخل لا يعني بالضرورة انهيار التحالف، بل يعكس قيودًا ميدانية حقيقية تواجه الجيوش، مشيرًا إلى وجود صعوبة في نقل القوات بسرعة داخل بيئة جغرافية معقدة، فضلاً عن ضعف البنية التحتية العسكرية المشتركة.

وشدد ثورستون على أن الخطر الحقيقي يكمن في “الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري”، لافتاً إلى أن “التصريحات الحادة حول ملاحقة الإرهابيين لا تكفي إذا لم تُترجم إلى عمليات مشتركة على الأرض”.

ورأى أن مستقبل التحالف سيتحدد بناءً على قدرته على تطوير قيادة عسكرية موحدة، وإنشاء قوات تدخل سريع مشتركة، وكذلك تعزيز التنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، وإلا فإنه قد يتحول إلى “مشروع سياسي قصير العمر” غير قادر على مواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة.

استشراف المستقبل: إلى أين يتجه تحالف الساحل؟

وفي هذا الصدد، خلص الباحث السياسي إلى أن أزمة مالي تكشف وقوف تحالف دول الساحل عند مفترق طرق حاسم؛ حيث باتت قدرته على الاستمرار مرهونة بمدى تحوله من إطار سياسي إلى قوة إقليمية فاعلة قادرة على التنسيق والتدخل السريع عند الأزمات.

فإما أن ينجح في بناء آليات عسكرية مشتركة تعزز حضوره الميداني وتمنحه مصداقية حقيقية، أو يظل تحالفًا هشًا تفرضه الظروف السياسية دون أن يمتلك تأثيرًا فعليًا على الأرض.

وفي ظل تصاعد التهديدات الإرهابية وتراجع الدعم الدولي، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة تعريف دور هذا التكتل؛ بحيث لا يقتصر على التنسيق السياسي، بل يتطور إلى منظومة أمنية متكاملة قادرة على الصمود والتكيف مع التحديات المتزايدة في منطقة تُعد من أكثر بؤر التوتر تعقيدًا في العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى