جدل داخلي في تركيا حول استقلالية القضاء ودور المعارضة
تعهدت المعارضة التركية اليوم الجمعة بمقاومة حكم قضائي لم يسبق له مثيل أطاح بزعيمها، مما أجج أزمة سياسية ودفع المستثمرين إلى التخارج من أصول تركية وسط مخاوف من تزايد عدم الاستقرار.
ويُنظر إلى الحكم على أنه اختبار للتوازن الهش بين الديمقراطية والنزعة السلطوية في تركيا، وقال محللون إن القرار قد يسهم في إطالة فترة حكم الرئيس رجب طيب أردوغان الممتدة منذ 23 عاما، رغم خطر توجيهه ضربة جديدة لجهود البلاد للسيطرة على التضخم المرتفع.
وألغت محكمة الاستئناف الخميس نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023 الذي انتُخب خلاله أوزغور أوزال زعيما للحزب، وعزت ذلك إلى مخالفات غير محددة.
وقضت بإعادة الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار أوغلو إلى منصبه، وهو شخصية مثيرة للانقسام خسر أمام أردوغان في انتخابات جرت في وقت سابق من العام نفسه.
وندد الحزب بالقرار ووصفه بأنه “انقلاب قضائي”، وتعهد أوزال بتحديه من خلال الطعون القانونية وبالبقاء شخصيا في مقر الحزب الرئيسي في أنقرة “ليل نهار”.
وينتظر أن يشعل الحكم مجددا احتجاجات مناهضة لأردوغان، ويمكن أيضا أن يثير حالة من الارتباك والصراع الداخلي داخل صفوف المعارضة في البلد العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وصاحب الاقتصاد الناشئ.
وقال بيرك إيسن أستاذ العلوم السياسية في جامعة سابانغي إن الحكم “يمثل تطورا غير مسبوق في تاريخ القانون الإداري والسياسي”، مضيفا أنه “إذا جرى تأييده، فإنه سيفتح الباب أمام المحاكم لتحديد قيادات الأحزاب، وهو أمر لا سابق له في النظام الانتخابي التركي منذ عام 1946”.
وتراجعت الأسهم التركية بشدة في البداية عقب أنباء الحكم وظلت متقلبة لكنها مستقرة اليوم الجمعة، فيما لامست الليرة أقل مستوى على الإطلاق مما دفع البنك المركزي إلى بيع مليارات الدولارات من احتياطي النقد الأجنبي للحفاظ على الاستقرار. وتوقع بنك جيه.بي مورجان أن يضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة سريعا.
وقال روجر مارك محلل أدوات الدخل الثابت في الأسواق الناشئة لدى (ناينتي ون) “الخطر الرئيسي يتمثل في الدولرة المحلية”، في إشارة إلى اندفاع المستثمرين لبيع الليرة والتحول إلى العملات الصعبة.
وأضاف أن تدفقات رؤوس الأموال الخارجة كانت أقل حدة مقارنة بالعام الماضي بفضل “تدخل أقوى من البنك المركزي وتراجع مراكز المستثمرين الأجانب في الأسواق الخارجية”.
وقلل جودت يلماز نائب الرئيس من تأثير ما وصفها “بالتطورات اليومية” في الأسواق، قائلا إن تركيا ستواصل التركيز على تنفيذ برنامجها الاقتصادي لخفض التضخم الذي تجاوز 32 بالمئة الشهر الماضي.
ويواجه حزب الشعب الجمهوري، حزب مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، حملة ملاحقة قانونية لم يشهدها من قبل اعتقل فيها مئات الأعضاء ومسؤولون منتخبون منذ عام 2024 بتهم فساد وغيرها ينفيها الحزب.
ومن بين المسجونين رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، المنافس الرئيسي لأردوغان والمرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري، والذي أدى احتجازه العام الماضي إلى موجة بيع حادة في الأسواق وتحول مؤقت لمسار التيسير النقدي.
ومن المقرر إجراء الانتخابات المقبلة في عام 2028، لكن سيتعين تقديم موعدها إذا أراد أردوغان (72 عاما)، الذي يواجه قيودا على عدد الولايات الرئاسية، الترشح مجددا. وينظر إلى الحكم القضائي على أنه يزيد احتمالات إجراء انتخابات مبكرة.
وتنفي الحكومة الانتقادات التي تقول إنها تستخدم القضاء لاستهداف منافسيها السياسيين، قائلة إن القضاء مستقل.
ووصف حزب الشعب الجمهوري، الذي تتساوى نتائجه تقريبا مع نتائج حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان في استطلاعات الرأي، الحكم القضائي بأنه باطل ولاغ وطعن في القرار أمام المجلس الأعلى للانتخابات، الذي يقول إنه السلطة الوحيدة المخولة بإلغاء مؤتمر الحزب.
ورغم أن المجلس الأعلى للانتخابات يشرف على جميع الانتخابات ومؤتمرات الأحزاب ولا تخضع قراراته للاستئناف، إلا أن المحكمة أصدرت حكمها مستندة إلى قانون الجمعيات، وهي خطوة لم يسبق لها مثيل في تركيا الحديثة.
واجتمع المجلس اليوم الجمعة لمناقشة طلب حزب الشعب الجمهوري ورفض استئناف الحزب. وقال رئيسه سردار موتا إنه لا يملك صلاحية تنفيذ الأحكام القضائية. وقدم الحزب كذلك استئنافا أمام المحكمة العليا للاستئناف اليوم الجمعة.
