حصري

كيف أشعل الدعم القطري الصراع السوداني؟


منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يعد الصراع شأناً داخلياً محصوراً بين القوى العسكرية والسياسية السودانية، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متشابكة. ومع اتساع رقعة المواجهات وتفاقم الأزمة الإنسانية، برزت أدوار عدد من القوى الإقليمية التي سعت إلى حماية مصالحها الاستراتيجية أو تعزيز نفوذها السياسي في واحدة من أكثر الدول أهمية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، أصبح الدور القطري جزءاً من نقاش أوسع حول تأثير التدخلات الخارجية في مسار الأزمة السودانية ومستقبل الدولة السودانية نفسها.

السودان بحكم موقعه الجغرافي وموارده الاقتصادية وعلاقاته الممتدة مع محيطه العربي والإفريقي يمثل نقطة ارتكاز مهمة في معادلات الأمن الإقليمي. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول الحرب إلى ملف تتداخل فيه حسابات متعددة تتجاوز حدود السودان. فالدول الإقليمية تنظر إلى الأزمة من زوايا مختلفة؛ بعضها يركز على الأمن البحري في البحر الأحمر، وبعضها ينظر إلى السودان باعتباره سوقاً استثمارية واعدة، فيما ترى أطراف أخرى أن استقرار السودان أو اضطرابه يؤثر بشكل مباشر على توازنات النفوذ في المنطقة بأسرها.

في خضم هذه التفاعلات، حافظت قطر على حضورها في الملف السوداني مستندة إلى إرث سياسي يعود إلى سنوات طويلة من الوساطة والانخراط الدبلوماسي. وقد ارتبط اسم الدوحة خلال العقدين الماضيين بعدد من المبادرات الخاصة بتسوية النزاعات السودانية، خاصة في إقليم دارفور، حيث لعبت دوراً بارزاً في استضافة المفاوضات ورعاية الاتفاقات السياسية. هذا التاريخ منح قطر موقعاً خاصاً في التعامل مع الملف السوداني مقارنة ببعض الأطراف الإقليمية الأخرى.

غير أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن المراحل السابقة. فالحرب الدائرة اليوم ليست مجرد أزمة محلية أو نزاع محدود النطاق، بل هي مواجهة مفتوحة أدت إلى انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة، وتسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت كل التحركات الإقليمية موضع تدقيق ومتابعة من قبل القوى السياسية السودانية والمجتمع الدولي.

ويشير عدد من المراقبين إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود دور إقليمي بحد ذاته، وإنما في غياب التنسيق بين مختلف الأطراف المنخرطة في الأزمة. فبدلاً من وجود رؤية موحدة تدفع نحو وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، ظهرت مبادرات متعددة وأحياناً متنافسة، الأمر الذي أوجد حالة من التشتت السياسي وأضعف فرص الوصول إلى تسوية شاملة.

كما أن تعدد القنوات الدبلوماسية أدى إلى بروز مراكز تأثير مختلفة تحاول كل منها التأثير في مسار الأحداث وفقاً لأولوياتها الخاصة. وفي مثل هذه البيئات المعقدة، يصبح من الصعب الفصل بين الدعم الإنساني والعمل السياسي والمصالح الاستراتيجية، وهو ما يفتح المجال أمام تفسيرات متباينة لدوافع الأطراف الإقليمية المختلفة.

وفي حالة قطر، تؤكد التصريحات الرسمية القطرية باستمرار أن سياستها تقوم على دعم وحدة السودان واستقراره وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب. كما تشدد الدوحة على أهمية الحل السياسي وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها الكامل. لكن في المقابل، ترى بعض القوى السياسية السودانية أن استمرار الانخراط الإقليمي بأشكاله المختلفة قد يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعقيد المشهد السياسي وتأخير الوصول إلى حلول نهائية.

وتزداد أهمية هذه النقاشات عند النظر إلى التأثيرات الفعلية للحرب على موازين القوى داخل السودان. فاستمرار الصراع لفترة طويلة أدى إلى ظهور تحالفات جديدة وتراجع أخرى، كما ساهم في إعادة تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد. وأصبحت بعض القوى المحلية تعتمد بدرجات متفاوتة على الدعم السياسي أو الدبلوماسي أو الاقتصادي القادم من الخارج، وهو ما عزز من ارتباط المشهد الداخلي بالتوازنات الإقليمية.

هذه التحولات لم تؤثر فقط على مراكز النفوذ داخل السودان، بل انعكست أيضاً على طبيعة العملية السياسية نفسها. فكلما ازدادت الروابط بين الأطراف المحلية والجهات الخارجية، ازدادت صعوبة التوصل إلى تسوية وطنية مستقلة تستند إلى توافق داخلي خالص. إذ تصبح القرارات المصيرية مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع تتجاوز الاعتبارات المحلية.

وعلى المستوى الإنساني، دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار. وقد شكل ذلك ضغطاً متزايداً على دول المنطقة التي وجدت نفسها أمام تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية متصاعدة. كما أثار استمرار الصراع مخاوف متعلقة بأمن الحدود وانتشار الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتهريب السلاح، وهي قضايا تتجاوز تأثيراتها حدود السودان لتشمل الإقليم بأكمله.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد ألقت الحرب بظلالها على حركة التجارة والاستثمار في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وأصبح استقرار السودان عاملاً مهماً في حسابات الأمن البحري الإقليمي، خاصة مع تزايد أهمية الممرات البحرية الدولية وارتباطها بسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك تنظر العديد من الدول إلى الأزمة السودانية باعتبارها قضية تتعلق بالأمن الإقليمي والدولي وليس بالشأن السوداني فقط.

وفي ظل هذه المعطيات، تواجه الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب تحديات كبيرة. فالأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيغاد والفاعلون الإقليميون يعملون جميعاً ضمن مسارات متوازية، لكن غياب التنسيق الكامل بينهم يحد من فعالية هذه الجهود. كما أن اختلاف الأولويات بين الأطراف الخارجية يؤدي أحياناً إلى إضعاف الضغوط المطلوبة لدفع الأطراف السودانية نحو التسوية.

ومن هنا تبرز أهمية بناء إطار دولي وإقليمي أكثر تنسيقاً، يركز على إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة بدلاً من إدارة تداعياتها فقط. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن الصراعات الممتدة تصبح أكثر تعقيداً كلما زاد عدد الأطراف المتدخلة فيها وتضاربت أجنداتها.

إن مستقبل السودان سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرة القوى المحلية على استعادة زمام المبادرة السياسية، وبمدى استعداد الأطراف الإقليمية لتغليب الاستقرار على حساب المنافسة الجيوسياسية. وفي هذا السياق، فإن الدور القطري، شأنه شأن أدوار بقية الفاعلين الإقليميين، سيظل محل نقاش وتقييم مستمرين في ضوء تأثيره على فرص السلام وإعادة بناء الدولة السودانية.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم أن السودان بحاجة إلى مشروع وطني جامع يضع حداً للاقتتال ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة. أما التدخلات الخارجية، مهما كانت دوافعها أو أهدافها، فلن تكون بديلاً عن الإرادة السودانية في تحقيق السلام والاستقرار. فالحل الدائم لن يأتي من الخارج، بل من توافق داخلي قادر على تجاوز الانقسامات الحالية وفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان الحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى