الدوحة تستضيف لقاءً لبحث ترسيخ التهدئة بين واشنطن وطهران
تتجه الأنظار إلى العاصمة القطرية الدوحة التي تستعد لاستضافة تحركات دبلوماسية جديدة تتعلق بالملف الإيراني، في ظل تضارب المواقف بشأن عقد اجتماع مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الشكوك حول قدرة الطرفين على تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بينهما.
وبينما أفادت تقارير أميركية بأن وفودًا من البلدين ستصل إلى الدوحة خلال الأسبوع الجاري لاستكمال المفاوضات، سارعت طهران إلى نفي وجود أي لقاءات مقررة مع الجانب الأميركي، مؤكدة أن الوفد الإيراني الذي سيزور قطر سيجري مشاورات فنية لا ترتبط بأي مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده “لن تعقد أي اجتماعات تفاوضية على أي مستوى مع الجانب الأميركي خلال الأيام المقبلة”، مشددًا على أن الزيارة الإيرانية إلى الدوحة لا علاقة لها بالتحركات الأميركية. في المقابل، أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الرئيس دونالد ترامب أوفد صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف لقيادة الفريق الأميركي، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في دفع مسار التفاهمات إلى الأمام.
ورغم هذا التباين، تشير مصادر مطلعة إلى أن الوسطاء القطريين والباكستانيين يواصلون جهودهم لعقد لقاءات غير مباشرة بين الجانبين، فيما يُتوقع أن تعقد الفرق الفنية اجتماعات منفصلة مع الوسطاء لبحث آليات تنفيذ الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بإدارة مضيق هرمز وضمان أمن الملاحة البحرية.
ويأتي هذا الحراك في ظل هشاشة واضحة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في منتصف يونيو/حزيران، بعد حرب استمرت أربعة أشهر وأدت إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية. وينص الاتفاق على مهلة لا تقل عن 60 يومًا لتنفيذ مذكرة تفاهم مؤلفة من 14 بندًا، تتناول تثبيت الهدنة وفتح مضيق هرمز ورفع القيود البحرية، إلى جانب إطلاق مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
غير أن تنفيذ الاتفاق واجه عراقيل متكررة، مع تبادل الطرفين الاتهامات بانتهاك بنوده، بينما شهد مطلع الأسبوع تبادلًا جديدًا لإطلاق الصواريخ، الأمر الذي أعاد المخاوف من انهيار التفاهمات قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا.
ويظل مضيق هرمز محور الخلاف الرئيسي بين الطرفين، بعدما تسبب إغلاقه خلال الحرب في تعطيل نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، ودفع أسعار الخام إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ما انعكس على معدلات التضخم وأسعار الوقود في الأسواق العالمية.
ورغم تعهد إيران، بموجب الاتفاق، ببذل أقصى الجهود لضمان حرية الملاحة، فإنها أعلنت لاحقًا عزمها فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق بعد انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ الاتفاق، كما لوحت باتخاذ إجراءات ضد السفن التي لا تلتزم بالممرات الملاحية التي تحددها، وهو ما أثار اعتراضًا أميركيًا واسعًا.
واتهمت واشنطن طهران باستهداف سفن تجارية في المضيق باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، فيما ردت الولايات المتحدة بقصف منشآت عسكرية إيرانية، لترد إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مواقع عسكرية أميركية في الكويت والبحرين، في تصعيد عكس هشاشة الهدنة القائمة.
وفي هذا السياق، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذرًا في تقييمه لاحتمالات نجاح التحركات الدبلوماسية، إذ قال للصحفيين في البيت الأبيض إن “اجتماع الدوحة قد يكون مهمًا، وقد لا يكون، سنرى ذلك”، مؤكدًا في الوقت نفسه تمسك إدارته بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومعتبرًا أن الضغوط العسكرية والدبلوماسية التي مارستها واشنطن حققت نتائج مهمة.
وتحظى تطورات الملف الإيراني باهتمام كبير داخل الولايات المتحدة أيضًا، حيث أطلع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو أعضاء في الكونغرس على آخر المستجدات. وبينما وصف عدد من الجمهوريين الإحاطة بأنها بناءة، اعتبر الديمقراطيون أنها افتقرت إلى التفاصيل، واتهموا الإدارة بعدم توضيح المكاسب التي حققتها واشنطن مقابل التفاهمات الأخيرة مع طهران.
وفي المقابل، أعلنت إيران إحراز تقدم في الملفات الاقتصادية المرتبطة بالاتفاق، إذ أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن التفاهم ينص على الإفراج عن ست مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في قطر، ضمن إجمالي أصول تبلغ 12 مليار دولار، إلى جانب رفع العقوبات عن قطاعي النفط والبتروكيماويات، واصفًا الاتفاق بأنه “انتصار كبير للشعب الإيراني”.
وفي موازاة ذلك، دخلت أطراف دولية على خط التهدئة، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده وسلطنة عُمان تعملان مع الشركاء الدوليين لإزالة الألغام من مضيق هرمز وتأمين حرية الملاحة، غير أن إيران سارعت إلى رفض أي دور خارجي في هذه المهمة، مؤكدة أنها ستتولى تنفيذ عمليات إزالة الألغام بنفسها وفق بنود مذكرة التفاهم، ومحذرة من أي خطوات قد تؤدي إلى تعقيد الأوضاع.
وبين نفي طهران وجود مفاوضات مباشرة، وتمسك واشنطن بإحياء مسار الحوار، يبقى مستقبل التهدئة مرهونًا بقدرة الوسطاء على تضييق فجوة الخلافات، ومنع التصعيد العسكري من تقويض الاتفاق الذي لا يزال يمثل الفرصة الأبرز لتجنب مواجهة جديدة قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والأمن الإقليمي.
