حصري

أوكلاهوما تختبر حدود الفيدرالية في مواجهة الإخوان و كير


لا تُعد الخطوة التي أقدم عليها حاكم أوكلاهوما كيفن ستيت، مجرد تصعيد سياسي عابر في سياق الانقسامات الحزبية الأميركية، بل تمثل نقطة تحول مفصلية في كيفية تعاطي حكومات الولايات مع الجماعات الأيديولوجية. فمن خلال الأمر التنفيذي رقم “2026-29” الصادر في 12 آب (أغسطس) 2026، تنتقل أوكلاهوما من خوض “حروب ثقافية” رمزية (مثل حظر الشريعة)، إلى تفعيل “الجهاز الاستخباراتي والأمني” الولائي لمساءلة جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، في اختبار غير مسبوق لحدود الصلاحيات بين الولاية والحكومة الفيدرالية.

الهندسة القانونية للأمر التنفيذي: التفاف ذكي على “احتكار واشنطن”

الملاحظة الأبرز في قراءة الأمر التنفيذي (2026-29) هي “الضبط القانوني” الدقيق لنصوصه. إدراكاً من الحاكم ستيت أن قانون الهجرة والجنسية الأميركي يمنح وزير الخارجية الفيدرالي حقاً حصرياً في تصنيف “المنظمات الإرهابية الأجنبية”، تجنب الحاكم الإعلان الأحادي عن التصنيف.
بدلاً من ذلك، اعتمد ستيت “هندسة قانونية” تقوم على ثلاثة مسارات متوازية لخلق واقع أمني جديد:
  1. تفعيل الاستخبارات المحلية: تكليف وزارة السلامة العامة ومكتب الأمن الداخلي بإجراء “تقييم استخباراتي” لنشاط الإخوان و”كير”، مما يمنح الأجهزة الولائية غطاءً قانونياً لجمع المعلومات ومراقبة التمويل والتواصل.
  2. الضغط الفيدرالي الموجه: إلزام هذه الأجهزة الولائية باستخدام نتائج تقييمها للضغط على واشنطن (استناداً أيضاً لتوجيهات الرئيس ترامب في تشرين الثاني 2025) لإجبار الحكومة الفيدرالية على التحرك وتصنيف الجماعتين.
  3. التشريع الولائي البديل: دفع المجلس التشريعي في أوكلاهوما لسن قوانين محلية تجرم الانتماء أو الدعم للجماعتين، كخطوة استباقية في حال تعثر المسار الفيدرالي.
هذا النهج يحول أوكلاهوما إلى “مختبر تشريعي” يختبر فيه الجمهوريون مدى قدرة الولايات على خلق “تصنيفات أمنية موازية” تجبر يد الحكومة الفيدرالية.

ترسانة المبررات: من ملفات القضاء الفيدرالي إلى الجبهات المحلية

لم يعتمد ستيت في قراره على الخطاب السياسي فحسب، بل استند إلى ملفات قضائية وأمنية متراكمة تشكل “ذخيرة قانونية” ثقيلة:
  • على المستوى الفيدرالي: يستحضر الأمر وثائق قضية “مؤسسة الأرض المقدسة” (2007)، والتي أدرجت “كير” ضمن قائمة “المتآمرين غير المتهمين”، وهو ملف يُستخدم دائماً كحجة قانونية لربط المنظمة بتمويل الإرهاب.
  • على المستوى الدولي: يستند القرار إلى السبق الإماراتي في 2014، عندما صنفت أبوظبي “كير” كمنظمة إرهابية تابعة للإخوان، مما يمنح الحاكم غطاءً دولياً لتبريره المحلي.
  • على المستوى المحلي (الجبهة الساخنة): يتزامن القرار مع تصاعد التوتر في مدينة “بروكن أرو”، حيث رفض المجلس المحلي في كانون الثاني (يناير) 2026 ترخيصاً لبناء مسجد، مما دفع “كير” والجمعية الإسلامية في تولسا لرفع دعوى فيدرالية في 3 آب (أغسطس) 2026. هذا الاحتكاك المحلي يمنح الحاكم مبرراً أمنياً بأن “الأنشطة الحقوقية” للمنظمة قد تكون غطاءً لتمدد أيديولوجي يرفضه سكان الولاية.

“كير” وإعادة توظيف خطاب “الضحية الحقوقية”

في المقابل، تتعامل منظمة “كير” مع هذا التصعيد عبر استراتيجية دفاعية هجومية مألوفة. فبدلاً من الدخول في نقاش أمني حول ملفات التمويل أو الارتباطات الأيديولوجية، سارعت المديرة التنفيذية لفرع أوكلاهوما، فيرونيكا ليزور-هنري، إلى إعادة توظيف خطاب “الحقوق المدنية” و”رهاب الإسلام”.
تسعى المنظمة إلى خلط الأوراق عبر تقديم نفسها كـ”ضحية لتمييز مؤسسي”، مستذكرة انتصاراتها القضائية السابقة (كإسقاط تعديل حظر الشريعة عام 2013)، ومحاولة تصوير الأمر التنفيذي للحاكم ستيت على أنه رد فعل انتقامي من دفاعها عن حقوق المسلمين في قضية “بروكن أرو”. هذه الاستراتيجية تهدف إلى نقل المعركة من “ساحة الأمن القومي” إلى “ساحة الحريات الدستورية”، لكسب تعاطف النخب القانونية والإعلامية.

الخلفية الوطنية: أوكلاهوما كـ”حجر دومينو” في المعركة الفيدرالية

تأتي خطوة أوكلاهوما في سياق زخم تشريعي وأمني تقوده ولايات الحزام الجمهوري. فحاكم تكساس غريغ أبوت وحاكم فلوريدا رون ديسانتيس يسيران في مسارات مشابهة، لكن التجربة الفلوريدية كشفت عن العقبة الكبرى: الجدار القضائي الفيدرالي.
في فلوريدا، نجحت “كير” في الحصول على أوامر قضائية من محاكم فيدرالية لإيقاف قرارات مماثلة، بحجة أن الولايات لا تملك صلاحية تجاوز تصنيفات وزارة الخارجية الفيدرالية.
الأمر التنفيذي في أوكلاهوما ليس مجرد قرار إداري، بل هو “رافعة قضائية” متعمدة. فالحاكم ستيت يدرك جيداً أن قراره سيُطعن فيه فوراً أمام المحاكم الفيدرالية، لكنه يهدف من خلال ذلك إلى إيصال القضية إلى المحكمة العليا الأميركية. الرهان الحقيقي هنا ليس في أوكلاهوما فقط، بل في ما إذا كانت المحكمة العليا ستسمح للولايات بتوسيع صلاحياتها الأمنية لتشمل مراقبة وتصنيف جماعات أيديولوجية تعمل تحت مظلة “الحريات الدستورية”، أم ستحافظ على “احتكار واشنطن” لملف الإرهاب. في كلتا الحالتين، نجح ستيت في نقل المواجهة مع الإخوان و”كير” من هوامش الخطاب السياسي إلى قلب الجهاز الأمني والقضائي الأميركي.
زر الذهاب إلى الأعلى