صحة

حين تصبح البطارية طعاماً.. ابتكار يغير قواعد اللعبة


تخيل أن تبتلع كبسولة تحتوي على بطارية، لا لتبقى في جسمك، بل لتعمل داخله لعدة أيام، تشغّل جهازًا طبيًا وترسل إشارات إلى الخارج، ثم تبدأ بالتحلل تدريجيًا. هذه ليست فكرة من فيلم خيال علمي، بل تقنية اختبرها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “MIT” داخل أجسام خنازير، في خطوة قد تمهد لجيل جديد من الأجهزة الطبية القابلة للابتلاع.

وأعلن الباحثون في دراسة نشرت الاثنين في مجلة “Nature Chemical Engineering” تطوير بطارية رقيقة قابلة للتحلل والامتصاص الحيوي، قادرة على إنتاج جهد يصل إلى 1.84 فولت وتشغيل إلكترونيات داخل الجهاز الهضمي. وقاد الفريق جيوفاني ترافيرسو، بينما كان الباحث محمد غيرايهان ساي المؤلف الأول للدراسة.

وتتكون البطارية من قطب سالب من المغنيسيوم وقطب موجب من ثالث أكسيد الموليبدينوم، مع إلكتروليت هلامي قابل للتحلل، بينما استُخدمت طبقات تعتمد على السليلوز والشمع، مستوحاة جزئيًا من أغلفة بعض الحلوى المصنوعة من “ورق الأرز”، لإبطاء تأثير حمض المعدة وإتاحة الوقت للبطارية كي تؤدي وظيفتها.

وصمم الباحثون نسختين من البطارية، إحداهما قرص بقطر 7.5 مليمترات يمكن وضعه داخل كبسولة جيلاتينية قياسية، وأخرى مستطيلة يبلغ طولها 24 مليمترًا لتوفير طاقة أكبر للأجهزة الأكثر استهلاكًا للكهرباء. وفي سوائل تحاكي المعدة، بدأت البطاريات بالعمل بصورة مستقرة لنحو ثلاثة أيام قبل أن يتراجع أداؤها تدريجيًا، ثم تبدأ مكوناتها في التفكك خلال الأسابيع التالية.

وأظهرت الاختبارات أنها يمكن أن تتحلل تدريجيًا إلى مكونات قابلة للامتصاص أو الإخراج من الجسم.

لكن الباحثين لم يكتفوا بإثبات قدرة البطارية على إنتاج الكهرباء. فقد وضعوها داخل كبسولة مزودة بنظام تحديد هوية لاسلكي “RFID”، بهدف مراقبة تناول الأدوية. وعندما ابتلعت الخنازير الكبسولات، تمكن النظام من إرسال إشارات من داخل الجهاز الهضمي إلى قارئ خارجي، وبمدى وصل إلى نحو 1.5 متر، ما يفتح الباب أمام كبسولات يمكنها تأكيد تناول الدواء والتواصل مع أجهزة خارج الجسم.

وفي تجربة أخرى، استخدم الفريق البطارية لتشغيل كبسولة ترسل تيارًا كهربائيًا ضعيفًا إلى بطانة المعدة. وبعد 20 دقيقة من التحفيز، ارتفعت مستويات هرمون “الغريلين”، المرتبط بالجوع، بنحو 50 بالمئة في التجارب الحيوانية.

ويرى الباحثون أن هذا النوع من “العلاج الكهربائي” قد تكون له مستقبلًا تطبيقات في حالات مرتبطة بفقدان الشهية أو بعض اضطرابات الجهاز الهضمي، من دون الحاجة بالضرورة إلى أجهزة مزروعة جراحيًا.

وتكمن أهمية الابتكار في المشكلة التي تحاول البطارية حلها. فالأجهزة الطبية القابلة للابتلاع تحتاج إلى مصدر طاقة، لكن البطاريات التقليدية قد تحتوي على الليثيوم أو أكسيد الفضة ومواد أخرى يمكن أن تشكل خطرًا إذا تضرر غلافها داخل الجهاز الهضمي. أما البطارية الجديدة فصممت من مواد يمكن للجسم تحملها بكميات صغيرة، مع إمكانية تحللها بعد انتهاء مهمتها.

ولا تبدأ فكرة البطاريات القابلة للابتلاع من هذه الدراسة. ففي 2023، طور باحثون إيطاليون بطارية قابلة للأكل باستخدام الريبوفلافين، أو فيتامين “B2″، والكيرسيتين، وحققت نحو 0.65 فولت وقدمت تيارًا قدره 48 ميكروأمبير لمدة 12 دقيقة، في إثبات أولي للمفهوم. أما دراسة “MIT” الجديدة فتنتقل بالفكرة إلى تشغيل أجهزة طبية فعلية داخل حيوان حي.

ومع ذلك، لا تزال التكنولوجيا بعيدة عن الاستخدام الطبي الروتيني لدى البشر. فقد أجريت التجارب الحالية على الخنازير، ولا تزال هناك حاجة إلى اختبارات سلامة أوسع وتجارب سريرية.

كما أن بعض مكونات الأنظمة الإلكترونية، مثل لوحة الدارة المطبوعة في نموذج التحفيز، ليست قابلة للتحلل بالكامل، ولذلك يعمل الباحثون على تطوير إلكترونيات يمكن أن تتحلل هي الأخرى. ويخطط الفريق لبدء تجربة سريرية لنظام تتبع الأدوية خلال نحو عامين.

زر الذهاب إلى الأعلى