حصري

تصنيف أنتيفا منظمة إرهابية في فلوريدا يعكس تحولا أمريكيا نحو استهداف اليسار المتطرف


لم يعد اسم «أنتيفا» مجرد عنوان في الجدل السياسي الأميركي حول الاحتجاجات اليسارية ومواجهة اليمين المتطرف، بل أصبح جزءاً من تحول أوسع في سياسة مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة، بعد أن انتقلت السلطات من انتقاد الحركة سياسياً إلى اتخاذ إجراءات رسمية تستهدفها وتصنفها ضمن الأطر المرتبطة بالإرهاب.

وفي أحدث تطور، أدرجت ولاية فلوريدا «أنتيفا» ضمن التنظيمات التي صنفتها سلطات الولاية باعتبارها منظمات إرهابية، إلى جانب مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية CAIR وجماعة الإخوان المسلمين، وذلك خلال تصويت مجلس الوزراء في 29 سبتمبر 2026.

ويأتي القرار في سياق أوسع من إعادة تعريف أولويات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة. فإدارة الرئيس دونالد ترامب ركزت خلال الفترة الأخيرة بصورة متزايدة على ما تعتبره عنفاً سياسياً من اليسار المتطرف، وعلى رأسه الجماعات المرتبطة بأنتيفا.

لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا التوجه تتعلق بطبيعة «أنتيفا» نفسها. فالاسم لا يشير بالضرورة إلى منظمة واحدة ذات هيكل مركزي، بل إلى حركة لامركزية تضم مجموعات وأفراداً مختلفين يشتركون في معارضة الفاشية والنازية واليمين المتطرف. ولذلك فإن تطبيق مفهوم «المنظمة الإرهابية» عليها يثير أسئلة قانونية مختلفة عن تلك التي تطرحها التنظيمات المسلحة ذات القيادة المعروفة.

وكان الرئيس ترامب قد أعلن في سبتمبر 2025 تصنيف «أنتيفا» منظمة إرهابية محلية عبر أمر تنفيذي. وأعقب ذلك اهتمام متزايد من أجهزة مكافحة الإرهاب الأميركية بالتحقيق في أنشطة جماعات يسارية متطرفة.

وفي مارس 2026، كشفت وكالة «رويترز» أن إدارة ترامب كانت تخطط لعقد قمة دولية لمواجهة أنتيفا وغيرها من الجماعات اليسارية، في مؤشر على أن الموضوع لم يعد شأناً أميركياً داخلياً فقط، وإنما بدأ يأخذ بعداً دولياً في استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب.

ووفق التقرير الذي نشرته «رويترز» ونقلته وسائل إعلام دولية، فإن إدارة ترامب كانت تسعى إلى تنظيم اجتماع دولي حول مكافحة أنتيفا، بينما كان مسؤولون أميركيون يحاولون إقناع شركائهم بأن اليسار المتطرف أصبح تهديداً يستحق موارد أكبر من تلك التي خصصت له سابقاً.

وفي يوليو 2026، ذهب وزير الخارجية ماركو روبيو خطوة أبعد عندما قال إن الولايات المتحدة تريد إعادة توجيه جزء من التركيز الدولي لمكافحة الإرهاب نحو ما وصفه بـ«الإرهاب اليساري المتطرف». وأعلن عن مؤتمر دولي يركز على هذه القضية.

وأشار روبيو إلى أن واشنطن تعتبر جماعات يسارية متطرفة تهديداً عابراً للحدود، وأنها تريد بناء تعاون دولي جديد في هذا المجال. وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة قد صنفت أربع مجموعات أوروبية يسارية متطرفة كمنظمات إرهابية أجنبية، وهي Antifa Ost، والاتحاد الأناركي غير الرسمي/الجبهة الثورية الدولية، والعدالة البروليتارية المسلحة، والدفاع الثوري عن النفس الطبقي.

وتعكس هذه الخطوات تحولاً واضحاً في خطاب الإدارة الأميركية. ففي العقود السابقة، كان الإرهاب الدولي المرتبط بالجماعات الجهادية يحتل موقعاً مركزياً في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، خصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. أما اليوم، فتريد الإدارة إدخال التطرف اليساري العنيف ضمن الأولويات الأساسية.

وقد أثار هذا التحول انتقادات من الديمقراطيين ومنظمات حقوق مدنية، التي ترى أن إدارة ترامب تستخدم مكافحة الإرهاب في معارك سياسية داخلية. وقال نواب ديمقراطيون، بحسب «رويترز»، إن الاستراتيجية الجديدة تفتقر إلى أساس كافٍ من الأدلة وإنها قد تؤدي إلى استهداف الاحتجاجات والنشاط السياسي المشروع.

ويكتسب قرار فلوريدا أهمية خاصة لأنه يضع أنتيفا في القائمة نفسها التي تضم الإخوان المسلمين وCAIR، إضافة إلى عشرات المنظمات الأجنبية التي صنفتها الحكومة الفدرالية بالفعل كمنظمات إرهابية.

لكن وجود الأسماء في قائمة واحدة لا يعني بالضرورة أن طبيعة كل تنظيم أو الأساس القانوني لتصنيفه متطابق. فبعض المنظمات الأجنبية لها تاريخ واضح من العمليات المسلحة، بينما تعتبر أنتيفا حركة لامركزية، وهو ما يجعل تصنيفها أكثر تعقيداً من الناحية القانونية.

وتقول السلطات في فلوريدا إن القانون الجديد يسمح لها بتحديد التنظيمات التي ترى أنها تشكل تهديداً أمنياً، وإن الهدف هو حماية المؤسسات والأموال العامة. لكن المنتقدين يحذرون من أن تعريف «الدعم» أو «الترويج» يمكن أن يصبح واسعاً، بما يسمح بتقييد نشاطات سياسية أو احتجاجية لا تصل في حد ذاتها إلى مستوى الإرهاب.

وكانت «رويترز» قد أشارت في يوليو إلى أن منظمات الحريات المدنية تخشى استخدام التصنيفات الجديدة ضد الاحتجاجات القانونية والمعارضة السياسية. وهذه المخاوف تتقاطع مع المخاوف التي طرحتها المنظمات نفسها بشأن تصنيف CAIR.

وهكذا أصبحت هناك معركة قانونية وسياسية مزدوجة: من جهة، تقول السلطات إن العنف السياسي من اليسار أصبح مشكلة حقيقية يجب التعامل معها؛ ومن جهة أخرى، يخشى المدافعون عن الحقوق المدنية من الخلط بين العنف الفردي أو أعمال الشغب وبين حركات سياسية واسعة وغير مركزية.

ويزداد الجدل تعقيداً بسبب التطورات المرتبطة بمقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك في 2025، إذ استخدمت إدارة ترامب القضية في خطابها ضد اليسار المتطرف. لكن «رويترز» أشارت إلى أن الأدلة المتاحة علناً لم تربط مطلقاً المتهم بقتل كيرك بأنتيفا.

ومع ذلك، استمر البيت الأبيض في دفع ملف أنتيفا إلى الواجهة، وربطه بموجة العنف السياسي التي ترى الإدارة أنها تهدد الأمن الداخلي الأميركي.

وفي أوروبا، تتابع الأجهزة الأمنية هذه التطورات باهتمام، خصوصاً أن بعض الجماعات الأوروبية ذات التوجه اليساري المتطرف دخلت بالفعل ضمن قوائم الإرهاب الأميركية. كما أشارت تقارير «رويترز» إلى أن أجهزة أوروبية حذرت من أن التطورات المرتبطة بالتطرف السياسي يمكن أن تكون لها انعكاسات على أمن القارة.

وهذا يعكس محاولة أميركية لتحويل مفهوم «التطرف اليساري» إلى ملف تعاون دولي، على غرار التعاون الذي نشأ بعد 11 سبتمبر لمواجهة الجماعات الجهادية.

لكن الفارق الأساسي أن البيئة اليسارية المتطرفة أكثر سيولة وأقل مركزية. فلا توجد قيادة عالمية واحدة لأنتيفا يمكن التعامل معها كما يتم التعامل مع تنظيم هرمي. وهذا يثير سؤالاً حول كيفية تحديد المسؤولية القانونية: هل تتم محاسبة الفرد على عمل عنيف قام به، أم يمكن أن تمتد المسؤولية إلى شبكة أو حركة أوسع؟

ومن زاوية أخرى، فإن تصنيف أنتيفا في فلوريدا يضعها بجوار الإخوان المسلمين وCAIR، ما يجعل القرار جزءاً من معركة سياسية أوسع حول مفهوم «الإرهاب» في الولايات المتحدة.

ويعتقد مؤيدو القرار أن القانون ضروري لمواجهة جماعات تستخدم العنف أو تحرض عليه. أما المعارضون فيرون أن وصف حركة سياسية واسعة بأنها «منظمة إرهابية» قد يؤدي إلى تجريم المواقف السياسية ذاتها، خصوصاً عندما لا تكون هناك قيادة مركزية أو عضوية رسمية.

وتشير التغطية الدولية إلى أن القضية أصبحت مرتبطة بتحول في استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية. فقد تناولت «رويترز» خطط عقد قمة دولية بشأن أنتيفا، ثم مؤتمر روبيو حول الإرهاب اليساري، بينما تابعت وسائل إعلام أميركية ودولية التطورات القانونية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

وفي سبتمبر، جاء قرار فلوريدا ليضيف بعداً محلياً إلى هذه الاستراتيجية الدولية. فالولاية لم تكتفِ بتبني تصنيف فدرالي قائم، بل استخدمت نظامها الخاص لتصنيف أنتيفا، إلى جانب CAIR والإخوان المسلمين.

ومن المتوقع أن تكون المحاكم الأميركية حاسمة في تحديد مدى قدرة الولايات على تطبيق هذه التصنيفات، خصوصاً أن القضية تتقاطع مع حرية التعبير وحرية التجمع وحق الاحتجاج.

وإذا سمحت المحاكم بدخول التصنيف حيز التنفيذ، فقد يصبح القرار سابقة مهمة في توسيع صلاحيات الولايات في التعامل مع الجماعات السياسية التي تعتبرها متطرفة. أما إذا تدخل القضاء وأوقفه، فقد تواجه الاستراتيجية الجديدة قيوداً دستورية قوية.

وفي كل الحالات، يكشف الملف عن تحول كبير في السياسة الأميركية: الإرهاب لم يعد في الخطاب الرسمي مرتبطاً حصراً بالجماعات الجهادية أو التنظيمات الأجنبية، بل أصبح المفهوم يُستخدم بصورة متزايدة في مواجهة العنف السياسي الداخلي، سواء من اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على قدرة الحكومة على تقديم أدلة واضحة على العنف والإرهاب، وعلى الحفاظ في الوقت نفسه على الخط الفاصل بين مكافحة العنف وبين تجريم المعارضة السياسية.

المصادر والتغطية الدولية: تناولت Reuters التحول الأميركي نحو مكافحة اليسار المتطرف، وخطط القمة الدولية حول أنتيفا، ثم مؤتمر ماركو روبيو حول «الإرهاب اليساري». كما تابعت Washington Post إعادة توجيه أدوات مكافحة الإرهاب الأميركية نحو أهداف داخلية، فيما غطت وسائل إعلام أميركية مثل CBS News وWUSF إدراج أنتيفا ضمن قائمة فلوريدا.

زر الذهاب إلى الأعلى