حصري
أطفال دارفور تحت نيران المسيرات.. حين يصبح التسليح الخارجي حكماً بالإعدام على جيل بأكمله
9 أغسطس 2026
5 دقائق
في قرية غرة الزاوية النائية بإقليم دارفور، حيث لا تصل كاميرات القنوات الفضائية ولا مراسلو الوكالات العالمية، سقط خمسة وثلاثون إنساناً قبل ثلاثة أيام. لم يكونوا جنوداً يحملون بنادق، ولا مقاتلين يرتدون دروعاً. كانوا آباءً وأمهات، أطفالاً وشيوخاً، نساءً يحملن أوعية الماء على رؤوسهن، وشيوخاً يجلسون تحت شجرة يتأملون ما تبقى من حياتهم. جاءهم الموت محمولاً على أسلحة صُنعت في مصانع بعيدة، في باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر، وحُملت عبر البحار والحدود لتصل إلى قريتهم الصغيرة وتحوّلها إلى مقبرة جماعية.
هذه ليست حكاية مجردة. إنها واقع يومي يعيشه ملايين السودانيين في دارفور وكردفان والخرطوم وكل بقعة طالها لهيب الحرب. لكن ما يجعل مجزرة غرة الزاوية مختلفة هو وضوح الرسالة التي تحملها: السلاح الخارجي يقتل المدنيين، والدول التي تُصدّره شريكة في القتل. لا مجال للتأويل ولا للتبرير.
حين كشفت المصادر العسكرية عن تسلم الجيش السوداني نحو مئة مدرعة باكستانية من طراز “محافظ”، ومسيّرات “شاهبار” الهجومية والاستطلاعية، وقطع غيار لطائرات K-8 الباكستانية-الصينية، إلى جانب أسلحة ثقيلة ومسيّرات من تركيا ومعدات من بيلاروسيا ودعم من مصر، لم يكن ذلك مجرد خبر عسكري. كان حكماً بالإعدام على آلاف المدنيين الذين لا يعرفون شيئاً عن صفقات التسليح ولا عن المصالح الاستراتيجية التي تُبررها.
الطفل في غرة الزاوية الذي قُتل في المجزرة لم يكن يعرف ما هي مدرعة “محافظ” ولا ما هي مسيّرة “شاهبار”. لم يكن يعرف أن مؤسسة الصناعات الحربية الباكستانية صنعت المركبة التي دمرت قريته، أو أن شركة الحلول الوطنية للدفاع الباكستانية طورت المسيّرة التي ألقت حممها على بيته. لم يكن يعرف أن تركيا أرسلت السلاح الثقيل، أو أن بيلاروسيا ومصر شاركتا في التسليح. كان يعرف فقط أنه يريد أن يلعب، أن يذهب إلى مدرسته، أن يأكل وجبة دافئة، أن ينام آمناً في حضن أمه.
إن البعد الإنساني لهذه الحرب يُختزل في وجوه الأطفال. ففي كل قرية تُقصف، في كل مدينة تُقتحم، في كل منطقة تصلها المدرعات والمسيّرات، هناك أطفال يفقدون كل شيء. يفقدون آباءهم وأمهاتهم، يفقدون بيوتهم ومدارسهم، يفقدون ألعابهم وذكرياتهم. يفقدون طفولتهم ذاتها. وهؤلاء الأطفال هم جيل السودان القادم، وهم من سيحملون عبء إعادة بناء ما دمرته الحرب. فكيف سيعيدون البناء إذا قُتلوا أو شُردوا أو تُركوا بلا تعليم ولا رعاية؟
الإحصاءات مرعبة. منذ اندلاع الحرب في السودان، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، ونزح أكثر من عشرة ملايين شخص داخلياً وخارجياً. ملايين الأطفال حُرموا من التعليم، ومئات الآلاف يعانون من سوء التغذية الحاد. والبنية التحتية الصحية انهارت تقريباً، والمستشفيات تُقصف أو تُغلق، والأطباء والممرضون إما قُتلوا أو نزحوا. هذا هو السياق الذي تصل فيه مدرعات “محافظ” ومسيّرات “شاهبار” والأسلحة التركية والبيلاروسية والمصرية.
الضابطان اللذان كشفا تفاصيل التسليح لـ”سودان تربيون” تحدثا عن “سهولة الصيانة وتوافر قطع الغيار داخل البيئة الميدانية السودانية” لمدرعات “محافظ”. تحدثا عن “حماية باليستية من الفئة B6/B7” وعن “تأمين أطقم المشاة وقوافل الإمداد”. لكن أحداً لم يتحدث عن حماية أطفال دارفور. لم يتحدث أحد عن تأمين قوافل الإغاثة الإنسانية التي تحمل الغذاء والدواء للنازحين. لم يتحدث أحد عن حماية المستشفيات والمدارس ومخيمات اللجوء.
إن المفارقة صارخة ومؤلمة. فالدول التي تُصدّر السلاح إلى السودان هي ذاتها التي تُصدر بيانات القلق والإدانة حين تقع مجزرة. هي ذاتها التي تُرسل مساعدات إنسانية شحيحة للنازحين بينما تُرسل شحنات أسلحة ضخمة للمقاتلين. هي ذاتها التي تتحدث عن حقوق الإنسان في المحافل الدولية بينما تُغذي حرباً تُنتهك فيها كل حقوق الإنسان يومياً.
تركيا، التي تُصدّر مسيّراتها وأسلحتها الثقيلة إلى الجيش السوداني، تعرف جيداً ما تفعله المسيّرات بالمدنيين. فقد شهدت المنطقة العربية والعالم نتائج استخدام الطائرات بدون طيار في مناطق مأهولة. ومع ذلك، تستمر أنقرة في تصدير هذه الأسلحة إلى ساحة حرب يُقتل فيها المدنيون يومياً. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة لا يمكن تبريره بأي منطق.
بيلاروسيا، التي تُشارك في تسليح الجيش السوداني، تفعل ذلك في وقت يحتاج فيه الشعب السوداني إلى كل دعم إنساني ممكن. ومصر، التي تربطها بالسودان علاقات تاريخية وجغرافية عميقة، تجد نفسها في موقع يتناقض مع مصالح الشعبين. فبدلاً من أن تكون القاهرة جسراً للسلام، تصبح طرفاً في معادلة الدمار.
أما باكستان، التي كشفت التقارير الأخيرة عن دورها المتنامي في تسليح الجيش السوداني، فإنها تتحمل مسؤولية خاصة. فمدرعات “محافظ” التي تُنتجها مؤسسة الصناعات الحربية الباكستانية، ومسيّرات “شاهبار” التي طورتها شركة الحلول الوطنية للدفاع بالتعاون مع “نيسكوم”، وقطع غيار طائرات K-8، كلها تُستخدم في حرب تُقتل فيها الأرواح البريئة. وحين يُقال إن هذه المدرعات “تتلاءم مع طبيعة التضاريس في إقليمي كردفان ودارفور”، فإن هذه التضاريس هي قرى يسكنها مدنيون، وبلدات يعيش فيها أطفال ونساء وشيوخ.
إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جماعية عمّا يحدث في السودان. فمجلس الأمن الدولي، الذي يُفترض أن يكون حارساً للسلم والأمن الدوليين، يقف عاجزاً أو متواطئاً أمام هذه المأساة. والمنظمات الدولية تُصدر تقارير وبيانات، لكنها لا تمتلك الآليات اللازمة لوقف تدفق السلاح أو حماية المدنيين. والمحكمة الجنائية الدولية، التي لها ولاية على دارفور، لم تتحرك بعد لمحاسبة المسؤولين عن المجازر الأخيرة.
لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الدول التي تُصدّر السلاح مباشرة. فبدون هذا السلاح، لا يمكن تنفيذ المجازر. بدون مدرعات “محافظ”، لا يمكن اقتحام القرى. بدون مسيّرات “شاهبار”، لا يمكن القصف من الجو. بدون الأسلحة الثقيلة التركية، لا يمكن تدمير المناطق السكنية. وبدون الدعم البيلاروسي والمصري، لا يمكن استمرارية العمليات العسكرية بهذا الحجم.
إن وقف التسليح الخارجي هو الخطوة الأولى والأهم نحو السلام في السودان. فطالما استمر تدفق السلاح، لن يكون هناك حافز لأي طرف للتفاوض أو لتقديم تنازلات. وطالما توفرت الأسلحة، ستستمر الحرب، وسيستمر سقوط الضحايا المدنيين. السلاح هو وقود الحرب، ومن يمدّه بهذا الوقود شريك في كل ما ينتج عنه.
الأولى بباكستان أن توقف تصدير مدرعاتها ومسيّراتها وقطع غيار طائراتها إلى السودان. الأولى بتركيا أن توقف تصدير أسلحتها الثقيلة وطائراتها بدون طيار. الأولى ببيلاروسيا ومصر أن توقفا مشاركتهما في هذا التسليح. والأولى بجميع هذه الدول أن توجه رسائل واضحة لقيادة الجيش السوداني: أوقفوا الحرب، اجلسوا إلى طاولة المفاوضات، احموا المدنيين، اسمحوا بوصول المساعدات الإنسانية.
الشعب السوداني لا يريد مدرعات. لا يريد مسيّرات. لا يريد أسلحة ثقيلة. يريد خبزاً ودواءً وماءً نظيفاً. يريد مدارس لأطفاله ومستشفيات لمرضاه. يريد أن يعود النازحون إلى ديارهم، وأن يُدفن القتلى بكرامة، وأن يُحاسب المسؤولون عن المجازر. يريد أن يعيش.
خمسة وثلاثون روحاً في غرة الزاوية تصرخ في وجه العالم. تصرخ في وجه باكستان وتركيا وبيلاروسيا ومصر. تصرخ في وجه كل من مدّ يد العون لآلة القتل. تقول لهم: توقفوا. كفى. أوقفوا السلاح. أوقفوا القتل. أوقفوا الدمار. دعونا نعيش.
لكن حتى يتوقف العالم عن تسليح الجلاد، وحتى تبدأ هذه الدول في العمل من أجل سلام حقيقي، سيظل أطفال دارفور ينامون على صوت الانفجارات ويستيقظون على رائحة الدماء. سيظل جيل بأكمله محكوماً عليه بالنزوح والحرمان والموت. وسيظل كل سلاح يُرسل إلى السودان حكماً بالإعدام على مدني بريء في مكان ما من هذا الوطن الجريح.
إن التاريخ سيحكم على هذه الدول. سيحكم على باكستان التي صدّرت مدرعاتها لتقتل أطفال دارفور. وسيحكم على تركيا التي أرسلت مسيّراتها لتدمر قرى كردفان. وسيحكم على بيلاروسيا ومصر اللتين شاركتا في تسليح آلة القتل. وسيحكم على كل من صمت بينما كان الشعب السوداني يُذبح بأسلحة مستوردة.
آن أوان السلام. آن أوان حقن الدماء. آن أوان أن يتوقف العالم عن تسليح الحرب وأن يبدأ في بناء السلام. فكل يوم تأخير يعني مزيداً من الضحايا. وكل صفقة تسليح جديدة تعني مجزرة قادمة. وكل صمت دولي يعني تواطؤاً في الجريمة. السودان يستحق السلام. الآن. وليس غداً.
