الشرق الأوسط

الحوثيون يصعّدون.. المخا ومأرب تستعيدان موقعهما على خريطة الحرب


صعّد الحوثيون هجماتهم في اليمن خلال الأيام الأخيرة، مستهدفين ميناء المخا على الساحل الغربي وصنعاء ومأرب ومواقع عسكرية في محافظات أخرى، في تطور يعكس انتقال التوتر من مواجهات متفرقة إلى نمط أكثر اتساعاً من الضغط العسكري، وسط بيئة إقليمية مضطربة تثير مخاوف من عودة الحرب اليمنية إلى مستوياتها السابقة.

وقال مدير ميناء المخا، السبت، إن الميناء علّق عملياته التجارية والبحرية عقب تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال الأيام الماضية، مشيراً إلى مقتل سبعة أشخاص وتسجيل خسائر مادية تقدر بنحو 16 مليون دولار. ويقع الميناء بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، فيما تسيطر عليه قوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

ويكتسب استهداف المخا أهمية تتجاوز حجمه التجاري، إذ يمثل موقعه الجغرافي عاملاً استراتيجياً في معادلة الصراع اليمني، لقربه من باب المندب وخطوط الملاحة في البحر الأحمر. ورغم أن قدرته الاستيعابية للشحن أقل من مينائي عدن والحديدة، فإن توقفه يوجه ضربة إلى النشاط التجاري والاقتصادي في مناطق الحكومة، ويبعث برسالة أمنية إلى شركات النقل والتجارة التي تعمل في بيئة بحرية شديدة الحساسية.

وكانت الحكومة اليمنية قد أعلنت، الجمعة، أن الحوثيين أطلقوا ستة صواريخ باليستية على الميناء، ما أدى إلى مقتل أربعة مدنيين على الأقل واستهداف منشآت مدنية واقتصادية وبحرية. في المقابل، قال الحوثيون إن عملياتهم استهدفت ما وصفوها بـ”تحشيدات وأسلحة” وسفناً حربية تابعة للقوات المدعومة من السعودية في المخا، ما يشير إلى استمرار التباين الحاد بين الروايتين بشأن طبيعة الأهداف.

ولم يقتصر التصعيد على الساحل الغربي، إذ أعلنت القوات المسلحة اليمنية، السبت، أن الحوثيين قصفوا أحياء في مدينة مأرب بثلاثة صواريخ باليستية، فيما تتهم السلطات الجماعة بتنفيذ هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيرة على المحافظة خلال الفترة الأخيرة. وتكتسب مأرب حساسية خاصة بسبب استضافتها أكثر من 2.2 مليون نازح، ما يجعل أي تصعيد عسكري داخلها يحمل تداعيات إنسانية كبيرة.

ويأتي هذا التصعيد فيما تشهد عدة جبهات، بينها مأرب والجوف والضالع وتعز، تجدد الاشتباكات بعد سنوات من انخفاض حدة العمليات الكبرى. ومنذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022، تراجعت مستويات القتال بصورة ملحوظة، لكن غياب اتفاق سياسي شامل أبقى خطوط التماس قابلة للاشتعال، خصوصاً مع استمرار الخلافات بشأن مستقبل السلطة والموارد والترتيبات الأمنية.

وتبدو التطورات الأخيرة مرتبطة أيضاً بالمشهد الإقليمي الأوسع، إذ يتزامن التصعيد اليمني مع التوتر الناتج عن الحرب الأميركية على إيران، ما يرفع احتمالات تحوّل اليمن مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل والضغوط بين القوى الإقليمية والدولية.

كما أن فرض الحوثيين في يوليو/تموز الماضي حظراً بحرياً على السعودية، إلى جانب استهداف مواقع ومصالح مرتبطة بالقوات المدعومة من الرياض، يضيف بعداً إقليمياً إلى الصراع الداخلي.

ولا يمثل وقف العمل في ميناء المخا خسارة اقتصادية فحسب، بل يحمل مؤشراً على هشاشة التهدئة اليمنية. وإذا استمرت الضربات على الموانئ والمدن والمواقع العسكرية، فقد تجد الأطراف نفسها أمام مسار تصعيد تدريجي يصعب احتواؤه، خصوصاً إذا تداخلت الجبهات اليمنية مع التوترات الإقليمية. وتبقى مأرب والمخا، في هذه المعادلة، نقطتي اختبار رئيسيتين لقدرة جهود الوساطة على منع انزلاق اليمن إلى دورة جديدة من الحرب المفتوحة.

زر الذهاب إلى الأعلى