المخا تحت القصف.. خسائر الجبهات تدفع الحوثيين إلى التصعيد
صعّد الحوثيون هجماتهم على الساحل الغربي لليمن، بقصف مكثف استهدف مدينة المخا ومناطق أخرى، في تطور يعكس عودة التصعيد إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية في البلاد، وسط تجدد المواجهات البرية في محافظات عدة.
وأعلنت الجماعة المدعومة من ايران، مساء الجمعة، إطلاق عدد كبير من الصواريخ الباليستية باتجاه المخا، مدعية استهداف تحشيدات وأسلحة وزوارق حربية تابعة للسعودية، ومؤكدة تحقيق إصابات مباشرة وسقوط قتلى وجرحى.
في المقابل، أفادت السلطات اليمنية بمقتل أربعة مدنيين جراء القصف، الذي قالت إنه شمل ستة صواريخ، إضافة إلى احتراق عدد من قوارب الصيادين، بينما أعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للحوثيين. كما تحدثت قوات المقاومة الوطنية عن تعرض مناطق الساحل الغربي لقصف بـ36 صاروخاً باليستياً و42 طائرة مسيّرة، في تصعيد لافت من حيث كثافة النيران المستخدمة.
وتكتسب المخا أهمية استراتيجية خاصة، كونها مقراً لقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، وقريبة من مضيق باب المندب، كما تقع ضمن منطقة الساحل الغربي التي تشكل إحدى نقاط التماس الرئيسية بين القوات الحكومية والحوثيين ومن ثم، فإن استهدافها لا يحمل بعداً عسكرياً فحسب، بل يرتبط أيضاً بمحاولة الضغط على خطوط الانتشار والتمركز للقوات المناوئة للجماعة.
ويصعب الجزم بأن الهجوم المكثف يمثل عملية انتقام مباشرة لخسائر حوثية في جبهات أخرى، لعدم وجود معطيات مستقلة تحدد حجم تلك الخسائر أو تربطها زمنياً وعملياتياً بالتصعيد على المخا، لكن تسلسل التطورات يسمح بقراءة الهجوم باعتباره محاولة لتعويض ضغوط ميدانية متزايدة وإعادة فرض المبادرة العسكرية.
فالمواجهات تجددت خلال الأسابيع الأخيرة في مأرب والجوف والضالع وتعز، بعد فترة من التهدئة النسبية التي بدأت في أبريل/نيسان 2022. ومع انتقال المواجهات إلى أكثر من جبهة، قد تكون الجماعة بحاجة إلى إظهار قدرتها على نقل الضغط من خطوط الاشتباك البرية إلى العمق والمناطق الساحلية، باستخدام الصواريخ والمسيّرات بدلاً من الاعتماد حصراً على العمليات البرية.
وتشير الكثافة النارية المعلنة إلى أن الهدف قد يكون أبعد من إلحاق أضرار مادية محدودة، فإطلاق عشرات الصواريخ والمسيّرات يمكن أن يؤدي إلى إنهاك الدفاعات الجوية، ورفع كلفة الانتشار العسكري، وإجبار الخصوم على إعادة توزيع قواتهم ومواردهم. كما يسمح للحوثيين بإظهار أنهم ما زالوا يمتلكون القدرة على المبادرة رغم الضغوط التي تواجههم على عدد من الجبهات.
وقد يمثل التصعيد محاولة لمنع خصوم الحوثيين من استثمار أي تحسن ميداني وتحويله إلى ضغط متواصل على مواقع الجماعة. كما أن موقع المخا قرب باب المندب يمنح العمليات هناك أهمية تتجاوز حدود الجبهة اليمنية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية وتداخل الملف اليمني مع أمن الملاحة والبحر الأحمر.
وقد يكون هذا الهجوم المكثف رسالة عسكرية متعددة الأهداف: الضغط على قوات الساحل الغربي، واختبار قدرات الدفاع الجوي، والرد على التحركات البرية، وإظهار القدرة على التصعيد في توقيت تختبر فيه الجماعة قدرتها على الاحتفاظ بالمبادرة.
وتبدو فرضية “الانتقام” جزءاً محتملاً من تفسير التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها، فالأرجح أن كثافة الهجوم تعكس محاولة حوثية لتحويل الضغوط المتزايدة في الجبهات البرية إلى ضغط صاروخي وجوي على المخا والساحل الغربي، بما يسمح للجماعة باستعادة زمام المبادرة وفرض كلفة أكبر على خصومها.
