أمريكا

تصاعد التوتر حول إيران يزيد انقسام العلاقات بين أمريكا والصين


لم تعد تداعيات الحرب على إيران محصورة في ساحات القتال أو أسواق الطاقة، بل امتدت لتضرب في عمق العلاقات بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، في لحظة تكشف هشاشة الثقة بين أكبر اقتصادين في العالم، فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، برزت اتهامات أميركية مباشرة لبكين باستغلال الأزمة لتعزيز موقعها الاستراتيجي، ما ينذر بمرحلة جديدة من التنافس الحاد.

ووجه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت انتقادات لاذعة للصين، معتبرًا أنها أثبتت خلال الحرب أنها “شريك غير موثوق به”، بسبب لجوئها إلى تكديس إمدادات النفط وتقليص صادرات بعض السلع الحيوية. وهذا السلوك، وفق واشنطن، لا يعكس فقط سياسة اقتصادية احترازية، بل يندرج ضمن نمط أوسع من توظيف الأزمات العالمية لتعزيز النفوذ، على غرار ما حدث خلال جائحة كوفيد-19.

وتشير هذه الاتهامات إلى تحول في نظرة الولايات المتحدة إلى الصين، من منافس استراتيجي إلى طرف يُشتبه في استغلاله للأزمات العالمية، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى العلاقات الثنائية. ورغم حديث بيسنت عن استمرار قنوات التواصل، وإشارته إلى العلاقة “الجيدة” بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب و والصيني شي جين بينغ، فإن واقع التوترات يوحي بأن هذا الاستقرار هش وقابل للاهتزاز مع أي تطور جديد.

وفي خلفية هذا التوتر، لعبت الحرب على إيران دورًا محوريًا في إعادة تشكيل معادلة الثقة، فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما دفع الدول المستوردة الكبرى، وفي مقدمتها الصين، إلى تعزيز مخزوناتها تحسبًا لاضطرابات طويلة الأمد، غير أن واشنطن تنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها سلوكًا انتهازيًا يفاقم من اختلالات السوق بدل احتوائها.

ولم تتوقف التداعيات عند حدود العلاقات الثنائية، بل امتدت إلى النظام المالي العالمي، حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب في الشرق الأوسط تزيد من مخاطر الاستقرار المالي، عبر تغذية الضغوط التضخمية وتشديد شروط التمويل. ووفقًا لتقريره، شهدت الأسواق العالمية تراجعًا ملحوظًا، مع انخفاض الأسهم وارتفاع عوائد السندات، في انعكاس مباشر لقلق المستثمرين من استمرار الصراع.

ويشير الصندوق إلى أن هذه البيئة قد تدفع المؤسسات المالية، خصوصًا غير المصرفية، إلى تقليص انكشافها على المخاطر، ما قد يؤدي إلى موجات بيع واسعة في الأسواق. كما أن ارتفاع مستويات الدين العالمي يزيد من هشاشة النظام المالي، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على أدوات تمويل قصيرة الأجل.

والأخطر بحسب الصندوق، أن استمرار الحرب قد يعرقل أحد أبرز محركات النمو العالمي، وهو قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد بشكل كبير على تدفقات تمويل مستقرة وأي اضطراب في هذه التدفقات قد ينعكس سلبًا على الابتكار والاستثمار، ما يضيف بعدًا جديدًا للأزمة يتجاوز الطاقة والمال.

وتبدو الحرب على إيران في هذا المشهد المعقد وكأنها حجر يُلقى في بحيرة راكدة، فتتسع دوائر التأثير لتشمل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. وبينما تحاول واشنطن احتواء التداعيات، تجد نفسها في مواجهة سلوك صيني تعتبره مقلقًا، ما يعمّق فجوة الثقة ويفتح الباب أمام تصعيد محتمل.

ولم تعد الأزمة مجرد اختبار لقدرة الأسواق على الصمود، بل تحولت إلى اختبار لعلاقات القوى الكبرى، حيث تختلط الحسابات الاقتصادية بالاعتبارات الجيوسياسية، في عالم يزداد ترابطًا، لكنه أيضًا أكثر عرضة للانقسام.

زر الذهاب إلى الأعلى