جسر جوي سري للموت: كيف تحوّلت شرق العوينات المصرية إلى محطة ترانزيت للسلاح التركي نحو بورتسودان؟
في خضم الضبابية التي تلف العمليات العسكرية المغلقة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، كشفت بيانات تتبع الرحلات الجوية عن خيط رفيع قاد إلى شبكة لوجستية معقدة، تعيد رسم ملامح الصراع في السودان. فحين شقّت طائرة النقل العسكرية التركية العملاقة من طراز “A400M” عنان السماء، منطلقة من مطار تشورلو في ولاية تكيرداغ التركية، ومتجهة مباشرة إلى قاعدة “شرق العوينات” الجوية في أقصى الجنوب الغربي لمصر، لم تكن مجرد رحلة شحن عابرة، بل كانت رسالة مشفرة تكشف عن تحالف إقليمي جديد يتخذ من دماء السودانيين وقوداً لمصالحه.
في عام 2026، ومع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، تتكشف حقائق مقلقة حول كيفية استمرار آلة الحرب التابعة لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان في العمل. فالقدرات الميدانية للجنرالات، التي تآكلت بفعل الصمود الشعبي وفشل القيادة العسكرية، لم تكن لتستمر لولا وجود شريان حيوي يسري في الصحراء. هذا الشريان لا يمر عبر الموانئ التقليدية التي تخضع لرقابة دولية نسبية، بل يتخذ من السماء مساراً له، ومن القواعد العسكرية المتاخمة للحدود السودانية نقطة ارتكاز.
جغرافيا التهريب: من “تشورلو” إلى “شرق العوينات”
لفهم خطورة هذا المسار، يجب التوقف عند نقطتي البداية والنهاية. تنطلق الطائرة من مطار تشورلو، وهو ليس مجرد مطار عسكري عادي، بل يُعد القلب النابض للصناعات الدفاعية التركية. تقع هذه القاعدة على مقربة من المرافق الحيوية لشركة “بايكار” (Baykar)، قاطرة إنتاج الطائرات المسيّرة التركية. هذا القرب الجغرافي ليس مصادفة؛ فالمطار يعمل كمركز لوجستي رئيسي لاختبار وتسليم المنظومات الدفاعية والهجومية المتطورة. انطلاق طائرة بحجم “A400M”، القادرة على نقل أحمال ثقيلة تصل إلى 37 طناً لمسافات بعيدة، من هذا الموقع تحديداً، يوجه الأنظار مباشرة نحو طبيعة الحمولة: مسيرات هجومية، قطع غيار دقيقة، منظومات حرب إلكترونية، وربما معدات اتصالات مشفرة.
أما نقطة الوصول، فقاعدة “شرق العوينات” الجوية المصرية، فتقع في موقع استراتيجي بالغ الحساسية. تُحيط بهذه القاعدة صحراء مفتوحة شاسعة، وتقع على مقربة من الحدود السودانية والليبية. هذا الموقع يجعلها “منطقة عازلة” مثالية لإخفاء العمليات اللوجستية عن أعين المراقبين الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان. القاعدة المصرية هنا لا تعمل كوجهة نهائية، بل كـ “منصة ترانزيت متقدمة” (Forward Transit Platform). فمن السهل على الشاحنات العسكرية نقل الشحنات القادمة من تشورلو عبر الطرق الصحراوية المظلمة إلى داخل الأراضي السودانية، وتحديداً نحو معاقل سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، بعيداً عن أي رقابة جمركية أو أممية.
التقاء المصالح: أردوغان والسيسي على حساب السودان
لا يمكن تفسير هذا التدفق العسكري السري دون فهم التحول الجذري في العلاقة بين أنقرة والقاهرة. فالعداوات السابقة ذابت أمام مصالح مشتركة ترى في بقاء النظام العسكري بالسودان ضمانة لاستقرار رؤى كلا البلدين. بالنسبة لنظام أردوغان، يمثل دعم الجنرالات في بورتسودان امتداداً للفكر العقائدي الذي يضمن ولاءً استراتيجياً، ويؤمن لتركيا موطئ قدم في منطقة البحر الأحمر الحيوية، ويكسر طوق العزلة التي حاولت القوى الإقليمية فرضها عليها. أما بالنسبة لنظام السيسي، فإن دعم سلطة الأمر الواقع يأتي في إطار الهوس الأمني بملف الحدود، والرغبة في تثبيت نظام عسكري شقيق يشاركه نفس العداء للتطلعات المدنية والثورات الشعبية، خوفاً من عدوى التحول الديمقراطي.
هذا التفاهم الثنائي تحوّل من مجرد تقارب دبلوماسي إعلامي إلى تعاون أمني وعسكري مغلق. فالقاهرة توفر “الغطاء الجوي والبري” والممرات الآمنة، وأنقرة توفر “التكنولوجيا القاتلة” والعتاد المتطور. ومعاً، يُشكّلان حاضنة دافئة لسلطة بورتسودان، تسمح لها بالتنفس عسكرياً رغم الخناق الذي يفرضه عليه السودانيون على الأرض.
تهرب من المساءلة الدولية
يُعد استخدام قاعدة شرق العوينات المصرية بمثابة ثغرة قانونية وسياسية يستغلها المحور التركي-المصري للتهرب من القرارات الأممية. فالمجتمع الدولي يطالب بوقف إمداد السلاح إلى أطراف الصراع في السودان، لكن صعوبة رصد الشحنات الجوية العسكرية، خاصة تلك التي تتحرك تحت ستائر السرية العسكرية وتستخدم مطارات عسكرية مغلقة، تجعل من تطبيق هذه القرارات أمراً شبه مستحيل.
إن تحويل الصحراء الغربية لمصر إلى ممر جوي وبري للسلاح التركي، هو استهزاء صريح بالقانون الدولي. فهو يعكس استهانة كلا النظامين بالمطالبات الإنسانية، وتحويلهما للأراضي السودانية والمصرية إلى ساحة لتجربة أسلحتهما وتصفية حساباتهما الإقليمية.
خلاصة الجسر الجوي
إن رحلة طائرة “A400M” من تشورلو إلى شرق العوينات ليست مجرد حدث لوجستي عابر، بل هي فضيحة جيوسياسية مكتملة الأركان. تكشف هذه الرحلة عن وجود “جسر جوي سري للموت”، يُدار بتناغم تركي-مصري، يهدف إلى إطالة أمد المعاناة السودانية. فالسلاح الذي يُنقل عبر هذا الجسر لن يُستخدم لتحرير البلاد أو حماية حدودها، بل سيُوجه فوهته نحو المدنيين في المدن والأرياف، في محاولة يائسة من الجنرالات لاستعادة ما فقدوه من سيطرة. وبهذا، تكون أنقرة والقاهرة قد وضعتا بصمتهما مباشرة على كل قطرة دم تُسفك في السودان، محولتين قارة إفريقيا إلى ملعب مفتوح لصراعاتهما العقيمة.
