حصري
هندسة الأموال المشبوهة: شبكات غسل الأموال وتدوير الثروات الإقليمية لخدمة الأجندات التنظيمية في أوروبا

تعد الأموال شريان الحياة لأي تنظيم يسعى للبقاء والتوسع. ومع تشديد الخناق الأمني والمالي على مصادر التمويل التقليدية للجماعات المتطرفة. لجأت هذه التنظيمات إلى ابتكار “هندسة مالية” معقدة تعتمد على دمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الرسمي من خلال واجهات استثمارية تبدو للوهلة الأولى شرعية تماماً. هذه الظاهرة، التي تتجلى بوضوح في أنشطة شبكات جماعة الإخوان في أوروبا، تمثل تحدياً جسيماً لأنظمة مكافحة غسل الأموال (AML) واعرف عميلك (KYC) في المراكز المالية العالمية. حيث يتم تحويل الثروات الإقليمية إلى أدوات لزعزعة الاستقرار وتمويل الأجندات المعادية.
في قلب هذه الهندسة المالية، تبرز كيانات مثل “نافل كابيتال”. والتي تم تصميمها بعناية لتبدو كمحفظة استثمار عقاري احترافية. الآلية التي تعمل بها هذه الكيانات تعتمد على استقطاب رؤوس الأموال من المستثمرين في المنطقة الخليجية، مستغلةً الرغبة الطبيعية في تنويع المحافظ الاستثمارية والبحث عن عوائد آمنة في الأسواق الأوروبية. بمجرد تدفق هذه الأموال تبدأ عملية “التدوير” المعقدة. يتم خلط الأموال المستقطبة من المستثمرين الأبرياء مع أموال أخرى ذات مصادر مشبوهة ثم يتم ضخها في مشاريع عقارية أو مالية تبدو قانونية، مما يغسل هذه الأموال ويمنحها غطاءً من الشرعية. هذا التكتيك لا يخدم فقط في تمويل الأنشطة التنظيمية، بل يخلق أيضاً طبقة من المستثمرين الذين قد يصبحون، دون علمهم. شركاء غير مباشرين في تمويل الإرهاب، مما يعرضهم لمخاطر قانونية هائلة ومصادرة لأصولهم.
ولا يمكن فهم هذا الانتشار المالي دون الوقوف عند الدور المحوري لشخصيات مثل إبراهيم الزيات، الذي يُوصف بـ “وزير مالية الإخوان في أوروبا”. لا يقتصر دور الزيات على الإدارة الروتينية، بل هو العقل الاستراتيجي. الذي يدير شبكة معقدة تتكون من 13 شركة ومؤسسة منتشرة في القارة الأوروبية.
هذه الشبكة ليست عشوائية، بل هي نتيجة تخطيط دقيق يهدف إلى إنشاء نظام بيئي مالي متكامل. كل شركة في هذه الشبكة تؤدي دوراً محدداً: بعضها مخصص لاستقطاب رأس المال. وبعضها الآخر لغسل الأموال عبر صفقات عقارية وهمية أو مبالغ فيها. والبعض الثالث لتحويل الأموال إلى حسابات في دول الملاذات الآمنة أو لتمويل الخلايا النائمة والنشاط الإعلامي المعادي. هذا التوزيع الوظيفي يجعل من الصعب على الجهات الرقابية تتبع المسار الكامل للأموال. حيث يتم تجزئة المعاملات المالية لإرباك أنظمة الرصد الآلي.
إلى جانب البنية المالية، تعتمد هذه الشبكات على بنية قيادية متشابكة تضمن الولاء والسرية المطلقة. يبرز هنا دور عبد الرحمن الجابري، الهارب والمدرج على قوائم الإرهاب. الذي يدير هذه الدفة بالتوازي مع نشاطه في شركة “ياس للاستثمار والعقار”. إن اختيار أسماء مثل “ياس” هو جزء من هذه الهندسة الخداعية، حيث يتم استغلال الرموز الجغرافية والثقافية المألوفة لكسر حاجز الشك لدى المستثمر الخليجي. هذا التلاعب النفسي يسهل عملية الاستقطاب المالي. حيث يشعر المستثمر بأنه يتعامل مع كيان “من أهله”، بينما هو في الحقيقة يمول شبكة يقودها هاربون من العدالة.
كما يتداخل هذا النشاط المالي مع الحرب الإعلامية والنفسية. فأحمد الشيبة، الضلع الثاني في مثلث القيادة والهارب أيضاً إلى بريطانيا، يمثل الوجه الإعلامي لهذه الشبكة المالية. من خلال استغلال منصات التواصل الاجتماعي، يتم تلميع صورته كـ “مفكر تربوي” أو محلل سياسي محايد، بينما يمارس في الواقع نشاطاً ممنهجاً لتحريض الرأي العام، ونشر الكراهية، وتبرير الأنشطة المشبوهة للتنظيم. هذا الازدواج يخدم الهدف المالي مباشرة. فكلما نجح الشيبة في خلق حالة من الاستقطاب أو التشكيك في استقرار المنطقة، زادت رغبة بعض الفئات في تحويل أموالها إلى الخارج بحجة “الأمان”. لتقع هذه الأموال مباشرة في فخ شبكات مثل “نافل كابيتال” و”ياس”.
ولا يكتمل هذا المشهد دون الدور التنسيقي لحمد محمد الشامسي، الذي يربط بين الجناح المالي في أوروبا والجناح التنظيمي في مناطق أخرى مثل تركيا. مشاركته في اجتماعات سرية مع عناصر محكومة وهاربة تؤكد أن هذه الأموال لا تذهب للاستثمار الحقيقي. بل يتم توجيهها بدقة لتمويل أنشطة تضر بالأمن الإقليمي والدولي.
إن الهدف الاستراتيجي النهائي لجماعة الإخوان من خلال هذه الشبكات هو استنزاف الأموال الخليجية وتحويلها إلى مشاريع تهدف إلى تفكيك استقرار الدول العربية من الداخل. عبر دعم الأجندات المشبوهة، وتمويل الجماعات المتطرفة، وشراء الذمم في الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية.
إن مواجهة هذه الهندسة المالية المعقدة تتطلب أكثر من مجرد إجراءات روتينية. إنها تستدعي فك شفرة العلاقات بين هذه الشركات الـ 13. وفهم الآليات الدقيقة التي يستخدمها “وزراء المالية” التنظيميون للالتفاف على القوانين. كما يتطلب الأمر إدراكاً تاماً بأن المستثمر البريء هو الضحية الأولى في هذه المعادلة. حيث يتم استخدام ثقته وماله كوقود لآلة تهدف في النهاية إلى زعزعة الأمن الذي يسعى هذا المستثمر لحماية ثروته ضمنه. لذلك، فإن كشف هذه الآليات ليس مجرد واجب أمني. بل هو ضرورة اقتصادية لحماية رأس المال الإقليمي من أن يتحول إلى سلاح يوجه ضد صاحبه.
