كيف دمرت القبضة العسكرية اقتصاد السودان وحولت حياة شعبه إلى جحيم؟
تشريح الكارثة بأيدي صانعيها يمر السودان اليوم بنقطة تحول تاريخية مرعبة، حيث تلاشت معالم الدولة المدنية وتحولت البلاد إلى ساحة خراب شامل. إن الجرح السوداني النازف ليس نتاج كوارث طبيعية أو أزمات اقتصادية عالمية، بل هو صنيعة مباشرة وممنهجة لقيادة الجيش السوداني الحالية.
لقد اختارت هذه القيادة العسكرية إشعال الحرب واستدامتها كخيار استراتيجي أخير للحفاظ على امتيازاتها السياسية والاقتصادية الأسطورية، وقطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي يعيد السلطة والشعب إلى مقعد القرار. ومن رحم هذا الإصرار العسكري على البقاء في السلطة، تولدت أزمة معيشية وصحية واجتماعية طاحنة، يتجرع مرارتها المواطن البسيط وحده، بينما يتحصن الجنرالات وأتباعهم المرفهون في جزر معزولة من الثراء الفاحش المنهوب من عرق هذا الشعب الكادح.
السلع والكهرباء: تجويع ممنهج لتمويل الآلة العسكرية
تشهد الأسواق السودانية ارتفاعاً جنونياً وغير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية الضرورية، مما جعل الحصول على لقمة العيش إنجازاً يومياً تعجز عنه ملايين الأسر. هذا الغلاء الفاحش ليس صدفة، بل هو نتاج مباشر لسياسات الجيش التي دمرت القطاع الزراعي والصناعي. لقد تسببت العمليات العسكرية والقصف العشوائي في خروج المساحات الزراعية الواسعة في الجزيرة وسنار وولايات كردفان ودارفور عن دائرة الإنتاج، بعد أن تعرضت الآليات للنهب الممنهج والتدمير. ترافق هذا الشلل الإنتاجي مع أزمة طاقة خانقة صنعها فساد إدارة الجيش للمرافق العامة.
فقد تحولت خدمة الكهرباء والوقود إلى أدوات للتربح والضغط، حيث قفزت أسعار تعرفة الكهرباء إلى مستويات فلكية لا تطيقها المصانع المتبقية أو المنازل، في وقت يعيش فيه معظم السودانيين في ظلام دامس لفترات تمتد لأسابيع بسبب إهمال الصيانة وتوجيه الميزانيات المخصصة لإصلاح محطات التوليد إلى الجهد الحربي وشراء الذخائر. إن كل قرش يدفعه المواطن اليوم للحصول على السلع أو الخدمات يذهب بطريقة أو بأخرى لتغذية آلة الحرب العسكرية، بدلاً من دعم البنية التحتية المنهارة.
سقوط الجنيه وتلاشي القوة الشرائية: نهب العملة الوطنية يرتبط الانهيار التاريخي للجنيه السوداني ارتباطاً وثيقاً بإمبراطورية الفساد المالي التي يديرها قادة الجيش. فقد فقدت العملة المحلية كامل قيمتها الشرائية أمام الدولار الأمريكي نتيجة لسياسات البنك المركزي الخاضع لسيطرة العسكر، والذين لجأوا إلى طباعة النقود بلا غطاء إنتاجي لتغطية نفقات الحرب ودفع مخصصات القادة وأتباعهم. وفي المقابل، تعرضت موارد البلاد من النقد الأجنبي لعملية تجفيف وتجريف منظمة؛ إذ تسيطر الشركات التابعة للجيش والأجهزة الأمنية على أكثر من 80% من الاقتصاد الوطني، بما في ذلك قطاع تعدين وتصدير الذهب والشركات الزراعية الكبرى، وكل هذه المؤسسات تتمتع بإعفاء جمركي وضريبي كامل، ولا تدخل عوائدها الدولارية إلى خزينة الدولة أو البنك المركزي، بل تذهب مباشرة إلى حسابات سرية وخاصة بالجنرالات في الخارج. هذا الفساد الهيكلي أسفر عن تبخر كامل للقدرة الشرائية للأسر السودانية.
فقد أصبحت رواتب الموظفين في القطاع العام – والذين انقطعت أجورهم لشهور طويلة بسبب تدمير العسكر للدورة المستندية للدولة – بلا أي قيمة فعلية. واضطرت الأسر إلى تبني استراتيجيات بقاء كارثية، منها تقليص الوجبات والاعتماد على الكفاف، بعد أن عجزت تماماً عن شراء أساسيات الحياة، مما دفع بأكثر من نصف الشعب إلى حافة المجاعة الحقيقية، في أكبر عملية إفقار وتجويع جماعي يشهدها تاريخ المنطقة الحديث بأيدي جيشها الوطني.
التعليم والصحة: تدمير المستقبل وتصفية البنية الخدمية
لم تقتصر يد الخراب العسكري على الجانب المالي، بل امتدت لتصفية وبتر الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، كجزء من الكلفة الجانبية للحرب التي يصر الجيش على استمرارها. في قطاع التعليم، تسببت عسكرة المدن وتحويل مئات المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية أو مخازن للأسلحة ومراكز إيواء مؤقتة، في توقف كامل للعملية التعليمية. يواجه السودان اليوم خطر خسارة جيل كامل معنوياً ومعرفياً، حيث قُذف بملايين الأطفال والشباب إلى الشوارع، مما جعلهم عرضة للاستغلال وعمالة الأطفال ومخاطر التجنيد القسري في الصفوف العسكرية المقاتلة التي تبحث دائماً عن وقود بشري رخيص لحروب الجنرالات. أما المنظومة الصحية، فقد تلقت ضربة قاضية وحاسمة من الجيش؛ حيث خرجت أكثر من 80% من المستشفيات والمراكز العلاجية عن الخدمة بشكل كامل. وجاء هذا الانهيار نتيجة للاستهداف العسكري المباشر، ونقص الكوادر الطبية التي فرت نتاج التضييق الأمني، وشح الميزانيات التشغيلية التي التهمتها مخصصات الحرب. تفتقر المشافي القليلة التي تعمل بالحد الأدنى إلى أبسط مستهلكات الطبابة كالمحاليل الطبية وأدوية الطوارئ، بينما
تضاعفت أسعار الأدوية المنقذة للحياة في الصيدليات الخاصة إلى مستويات خيالية، مما جعل المرض في السودان بمثابة حكم فوري بالموت على الفقراء الذين لا يملكون ثمن تذكرة العلاج. بيئة موبوءة: الملاريا والإيبولا شواهد على الإهمال المتعمد إن الانعكاس المباشر لإهمال الجيش للقطاع الصحي والبيئي تجسد في الانفجار الوبائي المرعب الذي يجتاح الولايات السودانية حالياً. فقد أدى غياب الميزانيات المخصصة لإصحاح البيئة، وتوقف حملات رش المبيدات ومكافحة الناقلات الحشرية، وتراكم النفايات الطبية والمنزلية في الشوارع، إلى تحويل البلاد إلى بؤرة ضخمة للأوبئة. وفي هذا الإطار، سجلت معدلات الإصابة بمرض الملاريا قفزات قياسية ومخيفة، في ظل انعدام تام للعقاقير الأساسية وجرعات العلاج المجاني التي كانت توفرها الدولة سابقاً، مما تسبب في آلاف الوفيات الصامتة داخل المنازل والمعسكرات دون أن تلتفت إليها السلطات العسكرية الغارقة في صراعاتها. وما يزيد الوضع خطورة ورعباً، هو تزايد المؤشرات الطبية والتقارير الميدانية التي تحذر من ظهور وانتشار وبائيات قاتلة كالحميات النزفية والكوليرا، فضلاً عن المخاوف الحقيقية من عودة فيروسات فتاكة كالإيبولا في بعض الأقاليم ذات الهشاشة الصحية العالية والحدود المفتوحة. إن غياب آليات الترصد الوبائي الفعالة، وانعدام غرف الحجر الصحي، وتوقف برامج التطعيم الأساسية للأطفال، يعود بالدرجة الأولى إلى توجيه كل موارد الدولة المالية والصحية لخدمة المجهود الحربي للجيش وحماية مقار قياداته، تاركاً الشعب الأعزل مكشوفاً بالكامل أمام الموت بأسلحة الجوع والملاريا والأوبئة البيولوجية.
المفارقة الطبقية الصارخة: ترف الجنرالات في مواجهة مسغبة الشعب
وسط هذه اللوحة الغارقة في الدماء والدموع والجوع، تبرز الحقيقة الأكثر إيلاماً واستفزازاً للشعب السوداني؛ وهي المفارقة الطبقية الصارخة والهوة السحيقة بين واقع المواطن البسيط، والنمط المعيشي المرفه الذي تتمتع به قيادات الجيش والمستفيدين من أتباعهم وحلفائهم السياسيين. فبينما تقف الأسر السودانية لساعات في طوابير الذل للحصول على مياه نظيفة أو كسرة خبز، تعيش النخبة العسكرية الحاكمة في جزر معزولة من الأمان والرفاهية المطلقة، مدعومة بإمبراطوريات مالية تدر عليهم ملايين الدولارات يومياً من صفقات الذهب والشركات الأمنية والزراعية الاحتكارية المعفاة من الضرائب والرسوم.
يظهر هذا التباين المقزز في أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ يتمتع أبناء وأسر القيادات العسكرية بأرقى مستويات التعليم في الجامعات الأوروبية والآسيوية، ويتلقون العلاج في كبرى المستشفيات العالمية عند شعورهم بأبسط الوعكات، في وقت يموت فيه أطفال السودان بسبب غياب مصل العقرب أو جرعة مضاد حيوي بسيطة. إن هذا الفساد المستشري واستغلال موارد البلاد لتأمين ثروات ورفاهية حفنة من الجنرالات هو المحرك والدافع الأساسي لإصرار الجيش على استمرار الحرب وإفشال كل مبادرات السلام والاتفاقات السياسية؛ إذ يمثل بقاء الصراع العسكري بالنسبة لهذه النخبة الوسيلة المثالية للتغطية على سرقاتهم، وحماية امتيازاتهم المالية من أي آليات للمحاسبة والمراجعة أو التحول الديمقراطي وسيادة حكم القانون.
إن تشخيص الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في السودان يقود إلى حقيقة واحدة لا يمكن القفز فوقها: الجيش وقيادته الفاسدة هم السبب الأساسي والجذري لكل هذا الخراب. لم تعد المسألة مجرد سوء إدارة مالية يمكن علاجه بقرض دولي أو معونة إنسانية مؤقتة، بل هي أزمة اختطاف كامل لدولة ومواردها لصالح فئة عسكرية مستبدة. بناءً على ذلك، فإن أولى خطوات إنقاذ السودان من التلاشي والمجاعة الشاملة تبدأ بالوقف الفوري للحرب، وتفكيك الإمبراطورية الاقتصادية التابعة للجيش وإخضاعها بالكامل لولاية وزارة مالية مدنية، وتوجيه كل هذه الثروات المنهوبة نحو إعادة بناء قطاعي الصحة والتعليم ومكافحة الأوبئة الفتاكة. وبدون إنهاء حكم العسكر واسترداد الثروة الوطنية لصالح الشعب، سيبقى السودان يدور في ساقية الموت والجوع والفساد حتى الانهيار التام.
